عثمان الشويخ يكتب : معلمو "الحصة".. سنوات التعب في ميزان العبث والانتظار
حين يتولى الإنسان أمانة الكلمة، ويقترب بقلمه من جراح الناس الحقيقية، يصبح لزاماً عليه أن يرفع الغطاء عن ملفات موجعة يعيش تفاصيلها آلاف المخلصين بصمت.
ومن بين أشد تلك الملفات ألمًا، وأكثرها استحقاقاً للإنصاف، قضية "معلمي الحصة" في قطاع التعليم؛ أولئك الجنود المجهولون الذين حملوا على أكتفاهم عبء سد العجز في المدارس طوال سنوات تجاوزت السبع، بمقابل مادي زهيد لا يكفي أبسط متطلبات الحياة، صابرين محتسبين في انتظار بارقة أمل تعيد لهم حقوقهم.
تتلخص الحكاية، وما رصدته شكاوى عديدة وصلت إلى طاولتنا من رموز تربوية وميدانية (مثل: ع. م، ج م. ع، وآخرين ممن آثروا حفظ أسمائهم)، في أن الوزارة كانت قد أعلنت منذ نحو عام ونصف أو سنتين عن مسابقات خاصة لمعلمي الحصة، بمعزل عن مسابقة الـ "30 ألف معلم" التي أعلن عنها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وكان الأمل المرجو أن تُنصف هذه المسابقة من قضوا السنين الطوال في الفصول، وأن توضع لتقدير سنوات الخبرة والجهد المعيار الحقيقي والأول.
لكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن؛ فما إن فتح باب التقديم حتى تسللت إلى الكشوف اسماء وأشخاص بطرق غير شرعية ولا مهنية، منهم من لم يدخل فصلاً دراسياً يوماً، ومنهم من عمل فصلاً دراسياً واحداً أو ترمًا عابراً، ليجد أصحاب الحق الأصليون والقدامى أنفسهم في زحام من المجاملات التي ضاعفت الأعداد بغير وجه حق، وشوهت معيار التقدير والإنصاف الذي انتظروه طويلاً.
ازدواجية المسابقات.. حين تبتلع الفرص حقوق المستحقين
ولا تتوقف الأزمة عند حدود المجاملات وتسلل الدخلاء فحسب، بل تمتد إلى تناقض صارخ في إدارة الملف برمته؛ فعلى الرغم من الوعود التي تلقتها كوادر الحصة بأن مسابقتهم ستأخذ مساراً مختلفاً وبإجراءات مخففة ومبسطة تقديراً لسنوات الخبرة الطويلة التي قضوها في الفصول، تفاجأ الجميع بأن امتحانات التنظيم والإدارة جاءت مطابقة تماماً وبنفس التعقيد لمسابقة "الـ 30 ألف معلم".
وهنا تبرز المشكلة الأكبر التي تقف عاجزة أمامها كل منطق إداري سليم: ما هو مبرر وجود نفس الشخص ناجحاً في مسابقة الحصة وناجحاً في الوقت ذاته في مسابقة الـ 30 ألف معلم؟!
إن نجاح المتقدم نفسه في المسابقتين يجعله يحتل مكانين، ويمثل استنزافاً لفرصة زميل آخر ينتظر دوره بفارغ الصبر.
فالنهاية واحدة والتعاقد واحد والوظيفة واحدة؛ فبأي منطق يُترك هذا الازدواج ليحرم معلماً آخر من حق أقرّته له سنوات التعب والانتظار؟ ولماذا لا تشترط الوزارة استبعاد من نجح وحصل على فرصته في إحدى المسابقتين لإفساح المجال وتوسيع قاعدة الإنصاف أمام غيره ممن لم يحالفهم الحظ؟
إننا نضع هذا الملف العاجل على مكتب المسؤولين بوزارة التربية والتعليم، آملين نظرة فاحصة ومنصفة تُغربل الكشوف، وتستبعد المكررين وأصحاب الفرص المزدوجة، وتعيد الحق إلى أصحابه الحقيقيين ممن قضوا السنوات الطوال في خنادق التدريس بالحصة، بعيداً عن أي مجاملات أو التواءات إدارية.. فالتعليم يبدأ بإنصاف المعلم، ولا أمل لبناء أمة تكسر خواطر دعاتها.









