عثمان الشويخ يكتب الذكاء الاصطناعي بين دروس الماضي والوعي المجتمعي
حين تطالع ردود الفعل وتعليقات المواطنين في عالمنا العربي على مقاطع الفيديو التي تعرض أحدث تقنيات العصر وتحديداً الروبوتات بوصفها الوجه الأبرز لتطور الذكاء الاصطناعي يسيطر عليك شعور بالأسف الشديد والحسرة
فبدلاً من وقفة تأمل واعية أمام جدية العصر تجد السخرية والاستهتار والاستخفاف وكأن الأمر لا يعدو كونه فيلماً خيالياً أو تسلية عابرة غير مدركين أننا نقف على حافة تسونامي حضاري واقتصادي وعسكري سيجرف في طريقه من لا يحسبون له ألف حساب
وهنا تكمن العلة فالناس للأسف حين ترى هذه التقنيات في بدايتها اليوم تتعامل معها بمنظور الاستهزاء لأنها لا ترى سوى القشور متناسين أن كل الاختراعات والابتكارات تبدأ صغيرة
والأكثر من ذلك أننا في منطقتنا العربية لا نأخذ من التكنولوجيا المتقدمة سوى وجهها الأسوأ فنحن لا نستورد من منجزات العصر الحديث إلا ما يكرس الاستهلاك والترف العبثي أو سوء الاستخدام بينما تنشغل الأمم الأخرى ببناء مصيرها
الناس تضحك بينما العقول الكبرى لا تنام
مثلاً ما يعلنه رجل بحجم إيلون ماسك عن خطط مجنونة ولكنها محسوبة بدقة مثل تصنيع مليار روبوت خلال العقد القادم وتحديداً بحلول عام 2036 والمفزع ليس فقط في الرقم بل في الكارثة الاقتصادية والإنتاجية التي يحملها في طياته فمعدل إنتاجية الروبوت الواحد يعادل خمسة أضعاف الشخص البشري مما يعني أننا سنكون أمام طاقة مكافئة لخمسة مليارات إنسان عامل فما بالك بمصير الأيدي العاملة والاقتصادات التي تستهلك ولا تنتج
الأسف كل الأسف أننا ما زلنا نتعامل مع هذا الاستحقاق التاريخي بمنظور السخرية تماماً كما تعامل أجدادنا مع طلائع الثورة الصناعية الأولى في منتصف القرن السابع عشر وكيف مرت الثورة الصناعية الثانية التي انتهت مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 ونحن في غفلتنا نعيش في سبات عميق
لقد سبقتنا الأمم الأخرى بسنين ضوئية كاملة ولأننا تخلفنا عن ركب تلك الثورات في أوقاتها نكتوي اليوم بنار التخلف التكنولوجي والصناعي ومع ذلك لا نزال نتعامل مع هذا الطوفان التكنولوجي الرهيب من باب السخرية
اليوم يدور على الأرض صراع مرير وعميق بين العملاقين أمريكا والصين صراع لا يرحم حول الهيمنة على تقنيات الذكاء الاصطناعي والأسلحة المتطورة التي تقودها أعظم التطبيقات العصرية كالسيارات الذاتية القيادة والطائرات بدون طيار والجيش الجرار من الروبوتات الذكية
الخطورة الحقيقية والمرعبة تكمن هنا عندما تملك هذه الروبوتات القدرة على تطوير نفسها بنفسها وتكتسب هامشاً للتصرف المستقل فنحن أمام معضلة وجودية كبرى
وفي خضم هذا الصراع تبرز
استراتيجية أمريكية خفية فبينما تطلق الولايات المتحدة تصريحات علنية تحذر من مخاطر الذكاء الاصطناعي وتدعو إلى التباطؤ في تطويره لضبط إيقاعه تقرأ الصين هذه الدعوات من زاوية مختلفة تماماً ترى بكين أن هذه التصريحات الأمريكية ليست سوى ستار ومحاولة ماكرة لإبطاء السباق العالمي لكي تلتقط أمريكا أنفاسها وتحكم قبضتها وبالتالي إيقاف التقدم الصيني وحرمانها من التفوق التكنولوجي القادم
وتعتبر الصين هذا التوجه الأمريكي نوعاً من الحرب الباردة الجديدة التي تهدف إلى لجم طموحها وهو ما ترفضه بكين قطعياً وتعتبره مؤشراً على صراع قوى لا مكان فيه للضعفاء أو المستهترين
فمتى نفيق من استهتارنا ومتى ندرك أن الأمم لا تبنى بالسخرية على منصات التواصل بل بقراءة المستقبل قبل أن يداهمنا ونحن نلهو
قضي الأمر العالم يركض نحو المستقبل ونحن للأسف ما زلنا في مكاننا نضحك ونسخر








