مايا إبراهيم تكتب : نعمت عازوري أوسي… حين كانت الشاشة مرآة للهيبة والدفء
في زمنٍ كانت فيه الشاشة الصغيرة تصنع الكبار لا العكس، بزغ نجم نعمت عازوري أوسي بهدوء الواثقين، وصعدت درجات الحضور الإعلامي بخطى من يعرف أن الصوت مسؤولية، والكلمة أمانة، والصورة مرآة للجوهر لا للسطح.
لم تكن مجرّد مذيعة ربط برامج أو مقدّمة نشرة إخبارية، بل كانت من أولئك الذين انحفروا في ذاكرة اللبنانيين كعلامة ثقة وأناقة وهيبة. من “تلفزيون لبنان” العتيق، سطّرت نعمت فصلاً من فصول الإعلام الجميل، يوم كان المذيع يُربّي الذوق العام، لا يلهث خلف الإثارة العابرة.
بملامحها الهادئة، وصوتها المتّزن، طلّت نعمت عازوري على بيوت الناس كأنها من أهل البيت: لا تُفاجئ ولا تُزعج، بل تطمئن، وتُحاكي الذوق والعقل والروح. جمعتها نشرة الأخبار بالإعلامي كريستيان أوسي، ولم تكن تلك الزمالة مجرّد عبور مهني، بل أصبحت بداية حكاية حبّ، تُشبه الروايات النبيلة التي لا تنطفئ مع الأضواء.
ورغم العروض الكثيرة التي انهالت عليها للانتقال إلى التمثيل، أو المشاركة في برامج ترفيهية، اختارت أن تظلّ وفية لخطّها، لم تهرول خلف الضوء، بل صنعت من الثبات ضوءًا. في لقاءاتها النادرة، كانت كلماتها تعكس عمق التجربة، وامتلاء القلب بالرضا: “محبة الناس هي أغلى ما يحققه الإنسان في مسيرته”، هكذا قالت، وهكذا فعلت.
ما ميّز نعمت لم يكن فقط أسلوبها أو شكلها، بل ذاك الإيمان الصافي بدور الإعلام في تربية الذائقة، لا في تسويق التفاهة. كانت من زمن الأناقة العقلية، يوم كانت الشاشة تفرض الاحترام لا الاستهلاك، وكانت هي بين القلائل الذين حافظوا على هذا المعيار حتى في خفوتهم.
ولأن بعض الوجوه تبقى في الذاكرة أكثر مما تبقى في الصورة، ظلّت “تيتا نعمت” – كما يحبّ الجيل الجديد أن يناديها – شاهدة على مرحلة ذهبية، وواحدة من الأسماء التي لا يمكن استبدالها أو اختصارها أو تجاوزها.
إنها سيدة من زمن الحضور الجميل… حيث يُقال الكثير بالصمت، ويُدرّس الوفاء دون خطاب.
الإعلامية مايا إبراهيم





