مايا إبراهيم تكتب : سعاد قاروط العشّي… سيّدة الكلمة المربّية وصوت القيم النبيلة
لم تكن سعاد قاروط العشّي يومًا وجهًا عابرًا على شاشة، بل حضورًا تربويًا وفكريًا مشعًّا، حَمَل في نبرته وقاره، وفي صوته دفءَ المعلّمة الأولى. لبنانية الانتماء، إنسانية الأفق، نهلت من المعرفة روحًا، وصاغت من الإعلام رسالةً سامية تتجاوز الظهور لتبلغ جوهر الأثر.
بدأت مسيرتها في الإذاعة، حيث عرفها الناس صوتًا واضحًا، مثقّفًا، محبًّا للّغة العربية، ثم انتقلت إلى التلفزيون لتكون من أوائل من آمنوا بدور الشاشة في التثقيف والتوجيه، لا التسلية فقط. قدّمت برامج اجتماعية وتربوية بعمقٍ وهدوء، ولفتت الانتباه إلى أهمية بناء الإنسان قبل أي بناء آخر. ولعلّ برنامجها الشهير “بيت العائلة” كان محطّة ذهبية، أعاد تعريف الإعلام العائلي فحوّله إلى جسرٍ بين الأجيال، قائمٍ على الحوار والقيم والتربية الرصينة.
لكنّ سعاد لم تكتفِ بالإعلام، إذ شكّلت امتدادًا طبيعيًا للمعلّمة، فدرّست، وكتبت، وأسّست لحياة فكريّة قائمة على النقد البنّاء، والتربية الصافية. عُرفت بكتاباتها الرشيقة، وكتبها التي خاطبت الأجيال الجديدة بلغة سهلة ممتنعة، غايتها تنمية العقل لا تلقين المعلومة. كتاباتها لا تُملّ، لأنها مشبعة بمحبة الناس والإيمان بالمعنى.
في زمن التسرّع والتهافت، بدت سعاد قاروط العشّي كأنّها تُغرّد في سربٍ خاص، لا تلهث خلف الأضواء بل تمشي بثباتٍ في درب الحقيقة والمعرفة. لم تغيّرها الشهرة، بل كانت شهرتها انعكاسًا لأصالتها. بقيت وفيّة لرسالة المعلّم، تحترم المتلقّي وتثق بذكائه، وتزرع في كل كلمة تقولها بذرة إصلاح أو فكرة جديدة.
اليوم، حين نعود إلى أرشيفها، نُدرك أن ما كانت تقوله بالأمس ما زال صالحًا لليوم، بل ربّما أكثر إلحاحًا. فهي من الأصوات القليلة التي لم تأتِ لتواكب الزمن بل لتُعلي مستواه. وسعاد، في جوهرها، لم تكن إعلاميّة فقط، بل مشروعًا فكريًا تربويًا متكاملاً، لا يُقاس بعمر بل بأثر.
سعاد قاروط العشّي… شكرًا لأنكِ جعلتِ من الإعلام رسالة، ومن الكلمة مسؤوليّة، ومن الحضور التزامًا. في زمنٍ يكثر فيه الكلام، تبقينِ أنتِ برهانًا حيًّا على أن الكلمة الطيّبة ما زالت ممكنة، وما زالت تُثمر .
الإعلامية مايا إبراهيم





