​سلسلة أقمار الطف أصحاب الإمام الحسين

​سلسلة أقمار الطف أصحاب الإمام الحسين


الحلقة الثانية أنس بن الحارث الكاهلي شيخ بدر ووفاء النبوة في كربلاء
​بقلم الكاتب والروائي عثمان الشويخ
​أقمار الطف سلسلة أسبوعية تكشف بطولات أصحاب الحسين المنسيين خارج قيود التصنيف
​قبل أيام وأثناء نقاش دار بيني وبين أحد الأصدقاء فاجأني بسؤال استنكاري يحمل في طياته مسحة من التعجب حيث تساءل باستنكار ألا يوجد في الإسلام غير الحسين ولماذا هذا التركيز على هذه الحقبة بالذات
​حينها ابتسمت مقدرا تساؤله وعذرت عدم إلمامه بتفاصيل هذه الحقبة لأني أدركت أنه كالكثيرين لم يقرأ من الأساس قصة المحتوى الذي نقدمه ولم يدرك أننا لا نتحدث هنا بنظرة مذهبية ضيقة أو عاطفية مجردة بل نفتش في بطون التاريخ عن أبطال عظام عاصروا فجر الدعوة النبوية وشهدوا معارك الإسلام الفاصلة ثم ختموا حياتهم بملحمة وفاء عز نظيرها
​وجوابي على هذا الصديق وعلى كل من يجهل عمق هذا التاريخ يتجسد كاملا في بطل حلقتنا اليوم بطل لم يكن مجرد عابر سبيل بل صحابي جليل وشيخ كبير عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع بين فجر النبوة وخاتمة المجد على أرض الطف إنه أنس بن الحارث الكاهلي
​من هو أنس شرف الصحبة وذاكرة الجندية الأولى
​هو أنس بن الحارث بن نبيه الكاهلي الأسدي صحابي من الرعيل الأول الذين نالوا شرف الجندية تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن أنس غائبا عن اللحظات التاريخية التي غيرت وجه البشرية بل تشير المصادر التاريخية المحققة أنه شهد بدرا الكبرى وشهد حنينا وقاتل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن عدة
​عاش هذا البطل عمره يحمل في قلبه أنوار الصحبة وعقله يفيض بحديث نبوي شريف سمعه بأذنيه وعاش لأجله عقودا من الزمن حديث كان بمثابة بوصلة وجهته في ختام عمره المديد
​العهد النبوي نبوءة ووصية واعية
​روى أنس بن الحارث الكاهلي حديثا عظيما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول والحسين بن علي في حجره إن ابني هذا يقتل بأرض من أرض العراق يقال لها كربلاء فمن شهد ذلك منكم فلينصره
​ولمن أراد التوثق والرجوع وراءنا فإن هذا الحديث الشريف ورد وثبت في كبرى كتب الحديث والتاريخ المعتمدة فقد أخرجه الإمام البخاري في كتابه التاريخ الكبير في الجزء الثاني في ترجمة أنس بن الحارث الكاهلي كما رواه الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة وجاء كذلك في كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير بالإضافة إلى رواية الإمام الطبراني له في كتاب المعجم الكبير
​ظلت هذه الكلمات النبوية محفورة في وجدان أنس طوال حياته ومرت السنون ورحل النبي صلى الله عليه وسلم وتعاقبت الأحداث حتى جاءت سنة إحدى وستين للهجرة وعلم الصحابي الشيخ الذي كان قد تجاوز الثمانين من عمره ونزل به الكبر أن ابن النبي وريحانته محاصر في أرض الطف هنا لم يتردد ولم يتذرع بضعف جسده أو شيخوخته بل تحرك مدفوعا بعهد الصحبة وامتثالا للوصية النبوية
​تحدي الحصار الشيبة الثائرة تكسر القيود
​تماما كصاحبه حبيب بن مظاهر كان أنس الكاهلي يسكن الكوفة التي فرضت عليها السلطة آنذاك حصارا عسكريا خانقا لمنع وصول أي مدد لمعسكر الحسين لكن غيرة الصحابي الكاهلي وشجاعته كسرتا قيود الحصار فتسلل متخفيا تحت جنح الظلام متجاوزا كل الحواجز حتى وصل إلى مخيم الإمام الحسين في كربلاء ليعلن بين يديه أنه جاء ليفي بوعد جده صلى الله عليه وسلم
​حوار الوداع الأخير الثبات عند الاختيار
​تشير الروايات التاريخية الموثقة في كتب السير إلى لحظة دقيقة كشفت عن يقين أنس الكاهلي ففي صبيحة يوم العاشر ومع اشتداد الحصار وتوالي الأنباء عن قسوة المعركة لم يكن أنس مضطربا بل كان في أعلى درجات السكينة وعندما وقف أمام الإمام الحسين عليه السلام طالبا الإذن بالخروج كان الإمام ينظر إليه بإجلال كصحابي جليل عاصر جده المصطفى لم يطلب أنس من الإمام سوى نظرة رضا مؤكدا له أن عهده للنبي بوجوب نصرة الحسين هو الذي قاده لهذه اللحظة وأن الموت بين يدي ابن بنت رسول الله هو تمام الرجاء الذي عاش من أجله طوال عقود كان هذا الموقف في معسكر الحسين بمثابة إعلان عملي بأن خيار النصرة كان خيارا واعيا ومسبقا لا خيار عاطفة لحظية
​الملحمة والشهادة حين يشد الثمانيني وسطه للقتال
​في يوم العاشر من المحرم رسم أنس بن الحارث الكاهلي لوحة من أعجب لوحات البطولة في تاريخ الحروب حين حمي الوطيس تقدم هذا الشيخ الثمانيني بروح شاب في العشرين عصب خصره برداء وأخذ عمامته فشد بها حاجبيه اللذين سقطا على عينيه من فرط كبر سنه ليتمكن من الرؤية وحمل سيفه وهو يرتجز فخورا بأصله وثباته قائلا الأبيات التالية
​قد علمت كاهلها ودودان والخندفيون وقيس عيلان
بأن قومي ثعلب بن حيان آلسيد الضرب عند الأشجان
​وهذه الأبيات التاريخية والشعر الذي أنشده أنس في المعركة ذكره وثبته أصحاب السير والمقاتل في أمهات الكتب التاريخية ومن أبرزها كتاب مقتل الحسين للخوارزمي في الجزء الثاني صفحة ثلاثة وعشرين وكتاب مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب في الجزء الرابع صفحة مائة وواحد
​استأذن الإمام الحسين في القتال فنظر إليه الإمام بعين الإجلال والشفقة على شيبته فأذن له صال الصحابي البدري وجال في الأعداء صولة الأبطال فقتل على كبر سنه جمعا من الأعداء وظل يذود بسيفه دفاعا عن آل الرسول حتى تكاثروا عليه وسقط الشيخ الجليل شهيدا على أرض الطف مخضبا شيبته بدم الشهادة والوفاء
​خاتمة ودرس التاريخ
​مات أنس بن الحارث الكاهلي ليثبت لصديقي وللتاريخ بأكمله أن قضية الحسين لم تكن قضية طائفة أو مذهب بل كانت قضية الإسلام النقي الذي دافع عنه الصحابة الأبرار في بدر بدمائهم ودافعوا عنه في الطف بذات الدماء
​فهذا الرجل الذي شهد فجر الإسلام لم ير تعارضا بين صحبة النبي والوفاء لآله بل رأى في نصرة الحسين امتدادا طبيعيا لطاعة الرسول فيا أيها المسلمون اقرأوا تاريخكم بعيون واعية منصفة ولا تتركوا رموزكم العظام أسرى للتجهيل أو التصنيف الضيق
​أمانة البحث والتدقيق
​وفي ختام هذه الحلقة الثانية أؤكد للقارئ العزيز أنني واصلت الجهد والبحث في أمهات الكتب والمصادر المعتمدة لتقديم هذه السيرة نقية وبيضاء كما سطرتها يد التاريخ تجنبا لأي لغط أو تحريف فما كان فيها من توفيق فمن الله وما كان من سهو أو تقصير فمني هدفنا أن نحيي معا وعينا المنسي وننصف رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه
​انتظروني الأسبوع المقبل مع قمر جديد وبطولة منسية من سلسلة أقمار الطف أصحاب الإمام الحسين عبر جريدة الأنباء الدولية كونوا على الموعد