«جينوم الجودة الذكية».. رؤية بحثية ثورية للمهندس هيثم المسلمي لإنشاء منشآت صناعية تُرمّم نفسها ذاتيًا
بقلم/ عثمان الشويخ
في عصر الثورة التكنولوجية المتسارعة، لم تعد مفاهيم الجودة التقليدية القائمة على التقارير والمراقبة الورقية كافية لمواكبة طموحات الإنتاج الحديث. ومن قلب هذا التحدي، يفاجئنا الباحث المهندس هيثم عبد الغني المسلمي، أخصائي نظم والمعلومات بالشركة القابضة للصناعات الغذائية، برؤية بحثية متقدمة تعيد صياغة مفاهيم Quality 4.0 والتوأمة الرقمية والذكاء الاصطناعي داخل نموذج وطني قابل للتطبيق في الصناعات الغذائية تفتح آفاقاً جديدة في عالم الإدارة والتصنيع، تحت عنوان: «جينوم الجودة الذكية: من إدارة الأخطاء إلى منشآت تُرمّم نفسها ذاتيًا».
يطرح المهندس هيثم في فكرته الثورية سؤالاً استشرافياً يقلب موازين المعايير التقليدية: ماذا لو تحولت الجودة من نظام إداري يُفرض على المنشأة من الخارج، إلى شفرة وراثية و"DNA رقمي" يسري في عروق الآلات والبرمجيات وسلوك الموظفين؟
المنشأة كائن حي.. وجهاز مناعي ضد الأخطاء
تقوم الفكرة المركزية لهذا البحث على نقل المؤسسات الصناعية من مرحلة "انتظار وقوع الخطأ ثم معالجته" إلى مرحلة "الوعي السيبراني الذاتي"؛ حيث يتم دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، و"التوأمة الرقمية التوقعية" لتصبح المنشأة أشبه بكائن حي يمتلك جهازاً عصبياً ومناعة داخلية.
فعوضاً عن انتظار تقرير الصيانة أو ملاحظة مراقب الجودة، يستشعر النظام تلقائياً أي "تنافر تشغيلي" في الآلات — كسخونة مفرطة أو انحراف بسيط في السرعة — فيقوم بمعالجة وضبط نفسه ذاتياً فوراً دون تدخل بشري، بما يشبه تماماً عملية التئام الجروح والترميم الذاتي في الجسد البشري.
«مصل الجودة» والحصانة الاستباقية
ويبدع الباحث في صياغة مفهوم «مصل الجودة التشغيلي»، وهو تقديم مناعة تشغيلية استباقية؛ فالنظام لا ينتظر ظهور العيب في المنتج النهائي، بل يضخ تعديلات دقيقة في الوقت المناسب (مثل خفض طفيف في سرعة خط الإنتاج أو تعديل الحرارة)، مما يمنع الخطأ من التكوّن أساساً، وهو ما يضمن تقليل الهدر، وإطالة عمر الأصول، وتحقيق مطابقة لحظية للمواصفات دون حاجة لدفاتر المراجعة الجامدة.
حصن أمان لصحة المواطن والصناعات الغذائية
وتكتسب هذه الرؤية أهمية بالغة عند تطبيقها في قطاع الصناعات الغذائية؛ حيث يرتبط المنتج مباشرة بصحة المواطن وأمنه الغذائي. ففي مصانع الأغذية، يمثل نظام الجودة ذاتية الترميم درعاً ذكياً يراقب خامات الإنتاج، ودرجات حرارة التخزين، ومعايير السلامة لحظة بلحظة، ليمنع وصول أي خلل للمستهلك.
ولم تغفل الرؤية العنصر البشري؛ إذ يطرح المهندس هيثم مفهوم «الجودة السلوكية اللاوعية»، عبر تطويع التكنولوجيا لتوجيه العاملين بلطف وذكاء نحو السلوك الصحيح، وتحويل الجودة إلى عادة يومية ناعمة بعيداً عن أجواء التوتر والمراقبة الصارمة.
خاتمة
إن ما يقدمه المهندس هيثم عبد الغني المسلمي ليس مجرد مصطلح أكاديمي جديد، بل هو تدشين لـ «علوم الجودة السيبرانية الحيوية» التي تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة. إنها دعوة مخلصة لعصر جديد تدار فيه مصانعنا ومؤسساتنا بالوعي والذكاء الحي، لتتحول الجودة من "إدارة تُراقب" إلى "روح تولد ذاتياً" تحمي الإنتاج وتصون الاقتصاد الوطني.
كل التوفيق للمهندس هيثم المسلمي على هذا الفكر الراقي، ونحن في انتظار خروج هذا البحث الاستراتيجي إلى أرض الواقع ليكون إضافة مشرفة للصناعة المصرية والعربية.








