أكذوبة رخصة الممارسة الجنسية وبراءة كلوت بك أبو الطب عثمان الشويخ يشتبك مع دعوات التقنين بكتاب عراقي موسوعي

أكذوبة رخصة الممارسة الجنسية وبراءة كلوت بك أبو الطب عثمان الشويخ يشتبك مع دعوات التقنين بكتاب عراقي موسوعي



​قراءة استراتيجية ومعاصرة في أحدث مؤلفات الدكتور عمار عباس الحسيني عميد كلية القانون بجامعة المستقبل بالعراق جريمة التحرش الجنسي عبر وسائل التواصل الاجتماعي دراسة مقارنة

​بقلم الكاتب والباحث القانوني عثمان الشويخ


​تضعنا الطفرة الرقمية المعاصرة في ظل التطور الرهيب والثورة التكنولوجية لوسائل التواصل الاجتماعي أمام مسؤولية تشريعية واجتماعية كبرى لحماية أمن المجتمعات واستقرارها النفسي والأخلاقي ومن هنا يأتي مؤلف الدكتور عمار عباس الحسيني عميد كلية القانون بجامعة المستقبل بالعراق والصادر عن دار الجامعة الجديدة بالإسكندرية ليمثل طفرة نوعية وإضافة استراتيجية للمكتبة القانونية العربية حيث يقدم الكاتب دراسة مقارنة بالغة الدقة والتأصيل تفكك أبعاد جريمة التحرش الجنسي وعلاقتها بالجرائم الأخلاقية عبر الفضاء الافتراضي مستنداً إلى حشد هائل من النصوص التشريعية في دول متعددة كالعراق ومصر والمغرب والجزائر وفرنسا والسعودية ولبنان والولايات المتحدة الأمريكية
​ويستهل الباحث أطروحته بتأصيل شرعي واجتماعي يؤكد فيه أن الغريزة الإنسانية سنة إلهية خلقية لعمارت الأرض واستمرار البشرية ولكن اشترط الشارع الحكيم خضوعها لضوابط العقل والشرع حماية للنظام الاجتماعي من الفوضى والإباحية ومن هنا يربط المؤلف بين السلوكيات المستحدثة والمنظومة القيمية موضحاً أن التحرش الافتراضي بات يتخذ صوراً برمجية معقدة تتجاوز النمط التقليدي المادي
​ومن أبرز ما يميز هذا الكتاب هو التفكيك العلمي لصور التحرش حيث قسمها المؤلف إلى ثلاثة مسارات رئيسية أولها التحرش القولي اللفظي عبر العبارات والألفاظ ذات الإيحاء الجنسي سواء كانت مكتوبة أو مسموعة وثانيها التحرش الجسدي الذي يتطلب ملامسة مادية وهو ما يصعب تحققه افتراضياً إلا في بيئة الاتصال الإلكتروني التفاعلي وثالثها التحرش الإيمائي الإيحائي الذي يقع عبر الرموز التعبيرية والملصقات والمقاطع المرئية والصور الفاضحة التي تحمل دلالات إباحية يهدف منها الجاني اختبار مدى تجاوب الضحية أو إغوائها
​وهنا تبرز الأهمية القصوى للاشتباك بهذا الكتاب مع ما أثير في مصر في الأيام القليلة الماضية من عاصفة جدل وانقسام حاد إثر دعوة حقوقية نسوية أطلقتها إحدى المحاميات تطالب فيها بفتح نقاش حول ما أسمته تقنين الجنس التجاري لحماية الداعرات وتوفير إطار طبي وقانوني لهن وهي الدعوة التي واجهت غضباً عارماً وتستدعي منا كباحثين ثلاثة مواطن للاشتباك الفكري والقانوني لبيان تهافت هذا الطرح
​الموطن الأول هو الرد الشرعي والمنطقي البسيط في وجه من يريد إشاعة الفاحشة تحت مبرر تنظيمها الطبي فالقانون في بلادنا ميزانه العفة ولا يمكن التطبيع مع المعصية بتحويلها إلى رخصة قانونية لأن إرساء القوانين يصنع ظهيراً شعبياً مشوهاً يحمي الجريمة بداعي المصالح الرأسمالية والترفيهية كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية أوائل القرن العشرين عندما قننت بعض الممارسات وتداخلت مصالح المنتفعين مادياً لتشكيل جبهات مقاومة شرسة تفرض فسادها على المجتمع بقوة القانون وهو ما يرفضه الفقه التشريعي الإسلامي والعربي الذي ينطلق منه مؤلف الدكتور عمار الحسيني
​الموطن الثاني للاشتباك يفجر الأكذوبة التاريخية التي يروج لها البعض بأن مصر كانت تنظم هذه التجارة برخصة قبل ثمانين سنة ونوضح هنا بالرجوع إلى أبحاث التأريخ الاجتماعي مثل دراسات فرانشيسكا بيانكاني وليات كوزما أن التقنين الكامل لم يصنعه أبناء الوطن بل فرضه الاحتلال البريطاني والاستعمار الأجنبي لخدمة جنوده وضمان ترفيههم وتأمينهم الطبي على حساب أجساد نساء الشرق علماً بأن المشرع المصري حسم تجريم هذه الممارسات بقوة وحزم في إبريل عام ألف وتسعمائة وواحد وخمسين أي قبل ثورة يوليو المجيدة وضمن مجتمع متمسك بهويته
​وفي هذا السياق التاريخي وجب علينا إنصاف رمز وطني وتنويري كبير ارتبط اسمه شعرياً وتاريخياً بجرائم الاحتلال وبراءته من هذا الوزر وهو الطبيب الفرنسي أنطوان بارثيليمي الشهير بكلوت بك والذي يعد الأب الشرعي ومؤسس النهضة الطبية الحديثة في مصر في عهد محمد علي باشا حيث أسس مدرسة الطب في أبو زعبل وقصر العيني وواجه أشرس أوبئة الطاعون والكوليرا بل وحقن نفسه بصديد الطاعون لإثبات نظرياته الطبية وإنقاذ دماء المصريين فمنحه الباشا رتبة البكوية وتكريماً له سميت الدولة الشارع القريب من الأزبكية برمسيس باسمه ولكن يشاء القبح الاستعماري البريطاني أن يجعل من هذا الشارع تحديداً مركزاً لإصدار رخص ممارسة البغاء وتنظيم المنشآت الطبية لخدمة عساكر الإنجليز ليرتبط اسم أبو الطب الحديث في الوجدان الشعبي خطأ بأسوأ سمعة أخلاقية وهو عينه الفصام والظلم الذي تمارسه الدعوات النسوية اليوم عندما تتخذ من العناوين الإنسانية ستاراً لتمرير الرذيلة بقوة القانون وتشويه المبادئ الوطنية
​الموطن الثالث والعميق للاشتباك هو الجانب النفسي والاجتماعي فمثل هذه الدعوات المراهقة هي وليدة أجيال تراكم لديهم إدمان المواد الإباحية عبر الشاشات وعاشوا في خفاء الغرف يعاني من الخزي والعار والفصام الأخلاقي وبدلاً من مواجهة النظم التعليمية والاقتصادية المشوهة لتيسير الزواج وتحصين الشباب في أبكر سن ممكن يهرب هؤلاء لتشريع الانحلال لحماية رغباتهم متناسين أن الحل يبدأ من تغيير شامل في نظرة المجتمع وأطر الزواج وليس بتسليع المرأة وتشنيع المجتمع
​ولذلك لم يغفل الدكتور عمار عباس الحسيني البُعد التاريخي للظاهرة إذ تتبع نشأة مصطلح التحرش تاريخياً مرجعاً جذوره السلوكية إلى العصور القديمة بل واستشهد بلفتة قرآنية بليغة من سورة يوسف في تصوير واقعة المراودة واعتبرها صورة من صور التحرش في شكلها البسيط ثم عرج على التطور القانوني للمصطلح في المحاكم الأمريكية في سبعينيات القرن الماضي وصولاً إلى التعريفات الحديثة التي تضبط المضايقات ذات الطابع الجنسي
​وينتقل المؤلف في الفصول المتقدمة من الكتاب ليضع يده على التحديات الإجرائية المعقدة التي تواجه العدالة الجنائية في ضبط هذه الجرائم المعاصرة لعل أبرزها صعوبة إثبات الجريمة نظراً لسهولة اختفاء الجناة خلف حسابات برمجية وهمية وصفحات مستعارة وزائفة فضلاً عن تدني الإمكانيات الفنية لدى بعض الجهات لملاحقة مرتكبي الجرائم المعلوماتية وتراجع بعض الضحايا عن الإبلاغ خشية الانتقام أو النظرة المجتمعية القاصرة وهو ما يتقاطع مع محاولات التنصل من المنشورات تفادياً للمشاحنات الرقمية دون وعي بالعمق الإجرائي للمسألة
​إن القيمة الحقيقية لهذا المؤلف تتبلور في الفصل الأخير حيث يقدم الدكتور عمار دراسة مقارنة وافية لاستجابة التشريعات العربية والدولية مستعرضاً مدى كفاية النصوص القانونية الحالية لمواجهة العقوبات المقررة وتشديدها وبحث موانع المسؤولية الجزائية واضعاً رؤية مستقبلية للمشرع لمواجهة الثغرات القانونية وتقييد حالات إفلات الجناة من العقاب خصوصاً في ظل مسودات قوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية قيد الإقرار والتي تحظر في القوانين العربية والمصرية كل صور التحريض على الفسق والفجور
​وفي الختام نؤكد أن هذا المؤلف للدكتور عمار عباس الحسيني ليس مجرد كتاب قانوني عابر بل هو وثيقة مرجعية واستشرافية لا غنى عنها للقضاة والمشرعين والباحثين في العالم العربي لحماية الأسرة والمجتمع في العصر الرقمي وضد كل دعوات التغريب والتقنين المشبوهة وكل التحية والتقدير لعميد كلية القانون بجامعة المستقبل على هذا العطاء العلمي المتميز