من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.. حين تصنع الشريعة الأمان بإعزاز النفوس
بقلم: عثمان الشويخ
حين تتأمل مشاهد التاريخ الكبرى، وتتوقف أمام لحظة دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً ومظفراً، يستوقفك ذلك الإعلان النبوي الخالد الذي أربك الكثيرين وقتها: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن".
هنا يقف القارئ ليتساءل بفضول مشروع وصريح: لماذا دار أبي سفيان بالذات؟
ولماذا يدخل رجل بيتاً غير بيته، بينما بيته أستر له وأوفر لأمانه وأقرب لقلبه؟
أليس من الطبيعي أن يقول أي شخص في مكة يومها: "ولماذا أترك داري وأدخل دار أبي سفيان؟
السؤال في ظاهره منطقي وجريء، لكن الغوص في عمق السياسة النبوية والفهم الدقيق للنفس البشرية يكشف لك أن المسألة لم تكن مجرد توفير "مأمن مكاني"، بل كانت عملية "تأمين نفسي وإعزاز اجتماعي".
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم تمام العلم طبيعة أعدائه؛ وكان يعلم أن أبا سفيان بن حرب رجلٌ يحب الفخر، والوجاهة، ولذة السيادة.
والنفوس التي اعتادت الصدارة يقتلها الإذلال وكسر الكبرياء أكثر مما يقتلها السيف.
فكانت الحكمة النبوية أن يُمنح هذا الزعيم شغفه بالفخر في لحظة الفتح، فيُنسب الأمان إلى داره، ليتحول من موقع الندّ المحارب إلى موقع المحميّ الممتن، وليتسنى له التنازل عن كبريائه القديم ودخول طاعة الحق دون مرارة أو انكسار.
ولأن الشريعة جاءت بالعدل الشامل ولم تأتِ لإرضاء الفخر الفردي على حساب الجماعة، فقد جاء التتميم الفوري الذي يجيب عن تساؤل كل مواطن مكي:
"ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن".
لقد اتسعت دائرة الأمان لتشمل الجميع؛ فلم يُجبر أحد على دخول دار أبي سفيان إن لم يرد، بل أصبح بيت كل إنسان في مكة حصناً له، مع إعطاء زعيم القوم الفخر الذي يرضي غروره ويسد به باب التمرد
المغزى هنا أعمق من مجرد قرار سياسي؛ إنه درس في كيفية إدارة الأزمات واحتواء النفوس عند التمكين.
فالإسلام لا يسعى للهدم ولا يتشفى في الخصوم، بل يعرف كيف يراعي المفاتيح النفسية للرجال، فيحول حب الفخر لدى القائد إلى سبب لحقن دماء قومه وإرساء السلام.
إن بناء الأوطان وصيانة المجتمعات لا يتأتيان بكسر النفوس واستعراض القوة، بل بفهم طبائع البشر وإعطاء كل ذي حق قدره، ليصبح الأمن عقيدة، والسلام منهجا، والحكمة هي الحاكمة في أوقات الحسم.









