الشيخة منى فلاح مالك الصباح.. حين تتسع السيرة لأكثر من وجه

الشيخة منى فلاح مالك الصباح.. حين تتسع السيرة لأكثر من وجه

ثمة شخصيات لا يمكن اختصارها في مهنة، ولا في لقب، ولا حتى في اسمٍ يسبقها بثقله التاريخي. شخصيات تتكشف قيمتها الحقيقية كلما أضافت إلى سيرتها فصلًا جديدًا، وكلما تحوّل ما تملكه من معرفة وتجربة إلى أثرٍ يحمل بصمتها الخاصة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة الشيخة منى فلاح مالك الصباح.

اختارت القانون بدايةً لمسيرتها، فدرسته، ومارست المحاماة، وأسست مكتبها الخاص، قبل أن تنتقل إلى العمل في القطاع الحكومي. وبين الدراسة والممارسة والعمل، لم تكن السنوات مجرد مراحل مهنية، بل كانت مدرسةً يومية في الدقة، والتحليل، وفهم الإنسان خلف القضايا والنصوص.

فالقانون، في جوهره، ليس نصوصًا جامدة فحسب؛ إنه احتكاك دائم بالحياة، وباختيارات البشر، بحقوقهم ومخاوفهم وأسئلتهم. وربما لهذا تركت التجربة القانونية في شخصيتها ذلك الميل إلى النظر العميق، وإلى عدم الاكتفاء بما يبدو على السطح.

لكن في مكان آخر، بعيدًا عن المهنة وأضوائها، كانت تتشكل حكاية مختلفة.

كانت الكتابة تكبر في هدوء؛ تتغذى من سنوات من التأمل، ومن أحداث عربية تركت أثرها في الذاكرة، ومن مشاهد وأسئلة لم يكن من السهل أن تجد طريقها إلى الكلام. ومع الوقت، لم يعد القلم مجرد وسيلة للتعبير، بل أصبح مساحة أخرى ترى فيها الأشياء من زاوية مختلفة.

وهنا تتقاطع التجربتان.

ما منحه القانون من صرامة في التفكير ودقة في قراءة التفاصيل، منحته الكتابة مجالًا أوسع للبحث في المعنى، والاقتراب من الإنسان، والتعبير عن تلك المساحات التي لا تكفيها لغة القوانين.

إنها ليست قطيعة مع الماضي، بل امتداد له بلغة جديدة.

أما الاسم الذي تحمله، بكل ما يختزنه من عراقة وانتماء، فلا يبدو في تجربتها غايةً بحد ذاته. فالاسم قد يمنح صاحبه جذورًا، لكنه لا يمنحه وحده مكانةً مستحقة. المكانة تُبنى بما يضيفه الإنسان إلى اسمه، وبما يتركه خلفه من معرفة وعمل وأثر.

ومن هنا تكتسب خطوتها المقبلة دلالتها.

فالشيخة منى فلاح مالك الصباح تستعد لخوض تجربة جديدة من خلال عمل أدبي يقترب موعد ظهوره إلى النور، ليقدّمها للقارئ من زاوية مختلفة؛ لا بوصفها قانونية ومحامية وصاحبة تجربة مهنية فحسب، وإنما بوصفها صاحبة صوتٍ اختار أن يمنح أفكاره ومشاعره وأسئلته مكانًا على الورق.

ولعل أجمل ما في هذه التجربة أن الكتابة لم تأتِ لتغيّر صورتها، بل لتكشف جانبًا آخر منها.

فوراء كل سيرة مهنية طويلة مساحة لا تظهر في الشهادات والمناصب، ولا تستطيع العناوين وحدها أن ترويها. وربما يكون الكتاب هو المساحة التي ستترك فيها الشيخة منى فلاح مالك الصباح للقارئ فرصة الاقتراب من تلك المنطقة الخفية.

هنا لا يعود السؤال: ماذا فعلت؟

بل يصبح: ماذا بقي في داخلها من كل ما عاشت؟

وماذا اختارت أن تقول حين صار القلم قادرًا على الوصول إلى ما تعجز عنه المهنة؟

تلك الإجابة ستأتي من الصفحات.

وفي انتظارها، تبقى تجربتها شاهدة على أن العراقة لا تكتمل بما نحمله من الماضي، وإنما بما نملك الشجاعة والمعرفة لنضيفه إليه.

فالاسم قد يكون إرثًا…

أما القيمة، فشيء نصنعه نحن.
الإعلامية مايا إبراهيم