سلسلة أقمار الطف أصحاب الحسين
بقلم الكاتب والروائي عثمان الشويخ
أقمار الطف سلسلة أسبوعية تكشف بطولات أصحاب الحسين المنسيين خارج قيود التصنيف
الحلقة الأولى حبيب بن مظاهر الأسدي الشيخ السبعيني وعهد الصحبة والوفاء
حين يمتزج شرف الصحبة النبوية بوفاء الدم وتتلاقى شجاعة الفرسان بعقيدة الأبرار يبرز اسم لعملاق من عمالقة الإسلام ورجل آثر أن يختم عمره المديد بأعظم موقف للفداء إنه الصحابي الجليل حبيب بن مظاهر الأسدي الرمز الذي غيبته لسنوات طويلة تصنيفات مذهبية ضيقة وتخوفات وهمية حرمت ملايين المسلمين من معرفة قصة صحابي ناصر ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيد شباب أهل الجنة في أحلك الساعات
إن الحديث عن حبيب بن مظاهر ليس حديثاً طائفياً بل هو استرداد لصفحة مشرقة من تاريخنا الإسلامي النقي وقصة بطل جمع بين حب النبي وحب آله ليثبت أن الوفاء لآل البيت هو فطرة قلب لا تقبل القيود ولا التصنيف
من هو حبيب شرف الصحبة والمكانة
ولد حبيب بن مظاهر الأسدي في بني أسد قبل الهجرة النبوية ونال شرف رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وصحبته وهو غلام ثم انتقل بعد ذلك ليكون من وجهاء الكوفة وعلمائها وفرسانها المعدودين لم يكن حبيب مجرد عابر في التاريخ بل كان من القراء الزهاد الذين يختمون القرآن الكريم في ليلة واحدة وكان وجهاً اجتماعياً وسياسياً يشار إليه بالبنان في العراق
رسالة الحسين نداء من ريحانة المصطفى
حين حوصر الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء وتكالب عليه الأعداء كان يعرف معادن الرجال فأرسل رسالة خاصة إلى الكوفة خص بها شيخ بني أسد حبيب بن مظاهر جاء في الروايات التاريخية أن نص الرسالة كان بليغاً ومؤثراً ومما جاء فيها من الحسين بن علي إلى الرجل الفقيه حبيب بن مظاهر أما بعد يا حبيب فإنا قرابة نبيك وأنت أعرف بنا من غيرك وأنت كثير الغيرة والشجاعة فلا تبخل علينا بنصرتك جزاك الله جزاء المحسنين
حين وصلت الرسالة إلى حبيب وكان قد تجاوز السبعين من عمره لم يتردد ثانية واحدة وانهمرت دموعه شوقاً ونصرة والتفت إلى زوجته الوفية التي شجعته وقالت له تذهب وتقتل بين يدي ابن بنت رسول الله
الهروب نحو الشهادة
كانت الكوفة آنذاك خاضعة تحت حصار عسكري شديد فرضه عبيد الله بن زياد لمنع أي مدد يصل للحسين لكن حبيب بن مظاهر وبحكمة الفارس الخبير استطاع التخفي والخروج من الكوفة تحت جنح الظلام برفقة صاحبه مسلم بن عوسجة مخترقين كل الحواجز العسكرية يحدوهما الشوق حتى وصلا إلى مخيم الإمام الحسين في اليوم السادس من المحرم
يقال إن وصول هذا الشيخ الوقور بث فخراً وأملاً كبيراً في مخيم الحسين وحين علم الإمام بقدومه استبشر خيراً وحيته السيدة زينب بنت علي سلام الله عليها فبكى حبيب وقال من أنا لتسلم علي فخر المخدرات وبنت أمير المؤمنين
قائد الميمنة شجاعة تزينها السبعون عاماً
في يوم العاشر من المحرم يوم واقعة الطف الخالدة كشف حبيب عن معدنه العسكري الفذ فرغم كبر سنه وانحناء ظهره قليلاً قلده الإمام الحسين قيادة ميمنة الجيش لثقته المطلقة في شجاعته وتدبيره
وقف حبيب كالطود الشامخ يخطب في جيش الأعداء يذكرهم بمكانة الحسين وبشرف قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحين بدأ القتال صال وجال صولة الشباب مرتدياً عمامته وهو يرتجز شعراً يفيض عزة
أنا حبيب وأبي مظهر ** فند الشبان الحرب تلهب
أنتم أعد عدة وأكثر ** ونحن أوفى منكم وأصبر
قاتل حبيب قتال الأبطال وحمى ظهر أصحابه وظل يذود عن حياض المخيم وعن نساء آل البيت حتى تكاثروا عليه فضربه بكر بن حنان بالسيف على رأسه وسقط الشيخ الجليل شهيداً مضرجاً بدماء الوفاء
دموع الحسين ودرس التاريخ
عندما سقط حبيب مشى إليه الإمام الحسين عليه السلام ووقف عند رأسه وبانت عليه علامات الانكسار والحزن وقال كلمته الشهيرة التي خلدها التاريخ
عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي لله درك يا حبيب لقد كنت فاضلاً تختم القرآن في ليلة واحدة
خاتمة
مات حبيب بن مظاهر الأسدي ليبقى حياً في ضمير الإنسانية مات ليقول لنا إن نصرة الحق لا تعترف بعمر ولا تقبل بتصنيف فهذا الرجل الذي عاصر النبي ونشأ في ظلال دينه لم يمنعه كبر سنه ولا حصار الأعداء من أن يكتب اسمه بأحرف من نور في ديوان الوفاء
فيا أيها المسلمون اقرؤوا تاريخكم بعيون قلوبكم ولا تتركوا أبطالكم ورموزكم الكبار أسرى لتصنيفات مذهبية تحرمكم من الاقتداء بركابهم حبيب بن مظاهر الأسدي بطل مسلم وصحابي جليل وقمر سيبقى يضيء سماء الطف إلى أبد الآبدين
كلمة لا بد منها وأمانة البحث
وفي ختام هذه الحلقة الأولى أود أن أؤكد للقارئ الكريم أنني قد بذلت قصارى جهدي في البحث والتدقيق رغبة في تقديم هذه السيرة دقيقة وواضحة كما تليق بمقام هؤلاء الأبطال العظام فما كان في هذا العمل من صواب وتوفيق فمن الله وحده وما كان فيه من خطأ أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان
هدفنا الأول والأخير هو إحياء وعينا وتاريخنا المنسي ونفض غبار التصنيف عن رموزنا العظام الذين جمعهم حب الله ورسوله
انتظروني الأسبوع المقبل في قصة أخرى وبطل جديد من سلسلة أقمار الطف أصحاب الإمام الحسين عبر جريدة الأنباء الدولية كونوا على الموعد
مراجع تاريخية لمن أراد الاستزادة:
كتاب الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني
كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير
كتاب تاريخ الطبري للإمام محمد بن جرير الطبري
كتاب البداية والنهاية للحافظ ابن كثير








