سلسلة أقمار الطف: أصحاب الإمام الحسين
الحلقة الخامسة: وهب بن عبد الله الكلبي.. دماء نصرانية تطهرت بالشهادتين وعنفوان أم أذهل التاريخ
بقلم الكاتب والروائي عثمان الشويخ
حين يتجلى النور الإلهي في الهداية، تتلاشى فوارق البدايات أمام عظمة النهايات. لم تكن كربلاء مصفاة لمن ورثوا الإسلام كابراً عن كابر فحسب، بل كانت محطة استثنائية لمن انشق عن عتمة التردد ليلتحق بركب النور ولو كلفه ذلك رأسه ودمه. وفي هذا المضمار الإنساني الجارف، يبرز لنا بطل حلقتنا الخامسة، شاب نصراني لم تفصله عن صفوف الخلود سوى لحظات صدق مع النفس، إنه وهب بن عبد الله الكلبي، ومعه زوجه وأمه اللتان صنعن معاً واحدة من أكثر قصص الفداء العاطفي والملحمي خلوداً في الذاكرة الإنسانية.
تشير الروايات إلى أن وهب بن عبد الله وأمه وزوجته لم يكونوا على الإسلام في بدايتهم، بل التقوا بالإمام الحسين عليه السلام في الطريق، فرأوا فيه من السكينة والنور اليقين ما ألقى الإيمان في قلوبهم. لم يتأخر وهب وأهله لحظة واحدة؛ بل أعلنوا إسلامهم وولاءهم لسيد الشهداء، وانخرطوا في معسكره الصغير غير آبهين بطوفان جيش الكوفة ولا بعواقب هذا التحول الجذري في حياتهم التي انقلبت من ضفة الضياع إلى ضفة الخلود المطلق.
تجلى المعدن الفريد لهذا الشاب وأسرته في ظهيرة عاشوراء؛ فما إن اشتعلت المعركة وتوالى سقوط الأبطال، حتى برز وهب يذود عن حريم الإمام الحسين عليه السلام ببسالة منقطعة النظير. لم يكن يقاتل بسيفه فحسب، بل كان يقاتل بعقيدة حديثة الولادة لكنها أراسخ من الجبال. حمل على القوم حملات أربكت صفوفهم، فأحسن في الجلاد وبالغ في الجهاد حتى قتل جماعة من الأعداء. ثم رجع إلى أمه وامرأته مدمىً ومثخناً بالجراح، فوقف أمامهما ليختبر أمرهما قائلاً: "يا أمّاه، أرضيتِ أم لا؟".
هنا بزغت عظمة المرأة الكربلائية؛ فقالت له أمه بعزم الجبال: "ما رضيتُ حتى تُقتل بين يدي الحسين!". بينما وقفت زوجته ممانعة ومغلفة بالحب والخوف قائلة: "بالله عليك، لا تفجعني بنفسك". لكن الأم تدخلت بحزم قائلة له: "يا بني، أعزب عن قولها، وارجع فقاتل بين يدي ابن بنت رسول الله، تنل شفاعة جده يوم القيامة".
عاد وهب إلى الميدان كالسيل العرم، مستجيباً لنداء العقيدة لا لنداء البقاء، فلم يزل يقاتل حتى قطعت يداه وسقط شهيداً على تراب كربلاء، وجيء برأسه المقطوع فَرُمي به إلى معسكر الإمام الحسين!
حيث مشت إليه زوجته (أو أمه على اختلاف الروايات) فجلست عند رأسه تمسح عنه الدم والتراب وتقول: "هنيئاً لك الجنة".
هنا، وفي اللحظة التي تكسر عادةً قلوب الأمهات، سطّرت أم وهب ملحمة العنفوان الأكبر؛ فعندما جيء برأس ابنها الوحيد ورمي به إليها، لم تلتفت لدموعه ولم ترتجف، بل أخذت رأس ولدها المدمى فمسحت التراب والدم عنه، ثم احتضنته، ولما حاول أحدهم أن يمنعها أو يواسيها، التفتت بعزم الجبال فرمت بالرأس نحو القوم في قلب ساحة المعركة قائلة بكل شموخ: "إنا لا نأخذ شيئاً أهديناه في سبيل الله!"، ولم تكتفِ بذلك، بل أخذت عمود خيمة وهجمت به على القوم وهي ترتجز بكلمات الشجاعة، لتلحق بابنها شهيدة في ملحمة إنسانية نادرة قل أن تجود بمثلها صفحات التاريخ البشري.
إن قصة وهب بن عبد الله الكلبي وأمه العظيمة ليست مجرد حكاية عن التحول العقائدي، بل هي رسالة أبدية تفيد بأن الحرية الحقيقية والعشق الإلهي لا يعترفان بالوراثة، بل باليقين الذي يسكن الصدور في اللحظات الحاسمة. لقد أهدى وهب وأمه دمهما ورأسهما، فصاروا أقماراً تضيء عتمة التاريخ، ودليلاً حياً لكل الأحرار على أن صدق البدايات يمحو كل ما سلف من ظلام.
وفي الختام، لقد بذلت قصارى جهدي لتقديم هذه السيرة نقية وبيضاء كما سطرتها يد التاريخ، تجنباً لأي لغط أو تحريف، فما كان فيها من توفيق فمن الله، وما كان من سهو أو تقصير فمني، وهدفنا أن نحيي معاً وعينا المنسي وننصف رجالاً ونساءً صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
انتظروني الأسبوع المقبل مع قمر جديد وبطولة منسية من سلسلة أقمار الطف، عبر جريدة الأنباء الدولية.. كونوا على الموعد.
المراجع والمصادر التاريخية:
مقتل الحسين للخوارزمي
إبصار العين في نصر الحسين للشيخ محمد بن طاهر السماوي








