سلسلة أقمار الطَّفّ : أصحاب الإمام الحسين

سلسلة أقمار الطَّفّ : أصحاب الإمام الحسين

​الحلقة الرابعة: عابس بن أبي شبيب الشاكري.. جنون العشق الإيماني وخلع درع الحذر

​بقلم الكاتب والروائي عثمان الشويخ

​أقمار الطف سلسلة أسبوعية تكشف بطولات أصحاب الحسين المنسيين خارج قيود التصنيف
​حين ترتقي الروح إلى مراتب اليقين المطلق، تسقط التكاليف الدنيوية وتتلاشى الحسابات العسكرية أمام نداء العقيدة والواجب. لم تكن معركة الطف مجرد اشتباك عسكري بين جيشين، بل كانت مصفاة للنفوس، ومختبراً حقيقياً لمدى صدق الانتماء للحق. وفي هذا المضمار، يبرز لنا بطل حلقتنا الرابعة، رجلاً لم تقتصر شجاعته على الإقدام فحسب، بل تجاوزه إلى مستوى فريد من الإباء الذي أذهل الأعداء قبل الأصدقاء، إنه عابس بن أبي شبيب الشاكري.

​عَابِس بن أبي شبيب الشَّاكِري الهَمْداني، من وجوه الكوفة وشجعانها المعروفين، ومن خيار شيعة الإمام علي  وزعمائهم البارزين. 
كان رجلاً متديناً، خطيباً، عابداً، وموصوفاً بالشجاعة المفرطة والبسالة في الحروب، وكان عابداً يحيي الليل كله بالعبادة، وكان في ولاءه لأمير المؤمنين أولاً ولسيد الشهداء ثانياً.
 لم يكتفِ عابس بموقفه الفردي، بل كان له دور قيادي وسياسي مبكر حين بايع مسلم بن عقيل، وقام يخطب في الناس محرضاً إياهم على الثورة ونصرة الحسين بن فاطمة الزهراء ، فلما استشهد مسلم ووصل خبر قدوم الإمام الحسين  إلى كربلاء، لم يتردد لحظة واحدة في حزم أمتعته وقطع مسافات الشك والتردد، مصطحباً معه ابن عمه الشجاع شبيب بن الحارث، ليلتحق بركب النصرة غير مبالٍ بالعواقب ولا آبهٍ ببطش السلطة الأموية.
​تجلى معدن عابس الفريد في لحظات الحسم، ففي يوم عاشوراء، وبعد أن قضى خمسون شهيداً في الحملة الأولى من أصحاب الإمام الحسين  أخذ أنصار الإمام يبرزون فرادى ومثاني، وبعد استشهادهم تقدم عابس إلى الإمام الحسين  وهو يقول: "يا أبا عبد الله أما والله ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد أعز عليّ ولا أحب اليّ منك، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم والقتل بشيء أعز عليّ من نفسي ودمي لفعلته، السلام عليك يا أبا عبد الله، اشهد الله اني على هديك وهدي ابيك".

 ثم وقف عابس موقفاً وثقته كتب التاريخ والسير كأحد أغرب مواقف الشجاعة والجرأة في التاريخ الإنساني، فعندما حان دوره للبروز، تقدم نحو الإمام الحسين عليه السلام، فسلّم عليه وودعه، ثم أخذ ما عليه من درع وعتاد حربي فخلعهما ورماهما عنه تعجب من ذلك من حوله، وظنوا أنه جنّ من هول الموقف، فصرخ به قائلًا: "يا عابس أمجننت؟" فخطب فيهم عابس خطبة الواثق المطمئن، معلناً مقولته التاريخية الخالدة: "لا والله، ولكن حب الحسين بن فاطمة قد أجنني!".

 ومؤكداً أنه لو كان يمتلك درعاً أثمن من نفسه لجود به، وأن الولاء لا يعترف بالأنصاف ولا يحمي خلف الحديد من لا يحمي عقيدته.

​فكانت له غارات وجولات عديدة ويقول أحد رواة حادثة الطف عن جماعة ممن كانوا في المعركة قوله: "لما رأيته مقبلاً عرفته، وقد شاهدته في المغازي، وكان أشجع الناس، فقلت: أيها الناس برز الأسد الأسود". اندفع عابس بن أبي شبيب الشاكري نحو صفوف جيش عمر بن سعد كالسيل العرم، مصلتاً سيفه، منفرداً بلا درع ولا مغفر، فما يقترب منه أحد من جنود الكوفة إلا وفرّوا أمامه مذهولين من جرأته واستهانته بالموت.

 وتشير الروايات التاريخية إلى أن عمر بن سعد، حين رأى هجومه الكاسح وصموده الأسطوري وفرار الرجال أمامه كأنهم جِمال مُفزعة، صرخ بجنده قائلاً: "يا أيها الناس! ويحكم! ارجموه بالحجارة!"، فحاصروه من كل جانب وأمطروا عليه الحجارة، والنبال، والسيوف من كل مكان.

​ولما رأى عابس الكثرة الغامرة التي تحاصره، ولم يتبقَ معه سلاح، تقدم بصدور عارية وبسالة منقطعة النظير، فاقتحم الصفوف يضربهم بسيفه حتى سقط شهيداً على تراب كربلاء، مضرجاً بدمائه الطاهرة، ليسطر أروع ملحمة في الفداء المطلق.

​إن قصة عابس بن أبي شبيب الشاكري ليست مجرد سرد لتاريخ انقضى، بل هي مرآة صافية تعكس معنى التحرر من قيود الخوف والمادة. لقد خلع درعه المادي ليلبس درع اليقين، فصار قمراً من أقمار الطف التي لا تطفئ الأيام نورها، ودليلاً حياً لكل الأحرار على أن التضحية الحقيقية تبدأ حين يسقط الإنسان كل حسابات النجاة المؤقتة في سبيل المبدأ الأبدي.

​أمانة البحث والتدقيق: في ختام هذه الحلقة، أؤكد للقارئ العزيز أنني واصلت الجهد والبحث قدر المستطاع لتقديم هذه السيرة نقية وبيضاء كما سطرتها يد التاريخ، تجنباً لأي لغط أو تحريف فما كان فيها من توفيق فمن الله، وما كان من سهو أو تقصير فمني  ومن الشيطان هدفنا أن نحيي معاً وعينا المنسي وننصف رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

​انتظروني الأسبوع المقبل مع قمر جديد وبطولة منسية من سلسلة أقمار الطف، عبر جريدة الأنباء الدولية.. كونوا على الموعد.

​المراجع والمصادر التاريخية:
​الحدائق الوردية (المجلد 1، ص 212)
​مقتل الحسين للخوارزمي (المجلد 2، ص 26)
​إبصار العين في نصر الحسين للشيخ محمد بن طاهر السماوي (ص 127)
​تاريخ الطبري لمحمد بن جرير الطبري (المجلد 5، ص 355 / والمجلد 6، ص 210 وص 443 - 444)
​إقبال الأعمال للسيد رضي الدين ابن طاووس (المجلد 3، ص 79)