((التعليم بين الواقع والمأمول: ملحمة وطنية لحماية الجبهة الداخلية))
إن غرس الوعي وبناء الإنسان هما العماد الأساسي الذي تقوم عليه حضارات الأمم ونهضتها، فمن محاريب العلم وفصول الدراسة يخرج صُنّاع القرار وحماة المستقبل. وحين نتأمل الواقع التعليمي الراهن، نجد أنفسنا أمام معركة وطنية كبرى تستوجب منا شجاعة الاعتراف بالخلل، وقبل ذلك شجاعة البحث عن حلول خارج الصناديق البيروقراطية المغلقة التي طالما عطلت مسيرة التطوير. إن التعليم القويم هو أقوى حصن يقوي الجبهة الداخلية للمجتمع المصري، ودرعها المتين في مواجهة كافة التحديات والتهديدات؛ فوعي المواطن وانتماؤه لا ينشآن عن شعارات براقة تذرها الرياح، بل يُزرعان طفولةً وشباباً على مقاعد الدراسة، حيث تُبنى الشخصية السوية القادرة على التفكير النقدي والإبداع.
غير أن التعليم قبل الجامعي يعاني اليوم من ضغوط هائلة أثقلت كاهل الأسر وأرهقت عقول الطلاب، بدءاً من كثافة المناهج وحشوها بمعلومات تُحفظ لتنسى، وصولاً إلى غياب البوصلة الحقيقية التي تربط التعليم ببهجة الحياة وسكينتها. وحين نتناول هذه الأزمة، لزاماً علينا أن ندرك أن التعليم منظومة متكاملة متناغمة لا يمكن بحال من الأحوال فقد أو إهمال عنصر منها؛ فالمعلم، والطالب، والمدرسة، والمنهج أوتار عود واحد إن اختل وتر منها انفرط العقد بأسره. إن التركيز الأحادي على المنهج وشكل اليوم الدراسي وحدهما، مع إهمال باقي أركان المنظومة، لن يثمر سوى حرث في البحر؛ فعماد التعليم الحق هو المعلم الكفء، تماماً كما أن عماد الصحة هو الطبيب الماهر، وهكذا يجب أن نفعل لتقويم البنيان بأسره.
ومن هنا يبرز الدرس البليغ من التجربة الفنلندية الرائدة، التي أثبتت للعالم أجمع أن التفوق الحقيقي لا يأتي بإرهاب الأجيال بالامتحانات المستمرة وساعات الاستذكار المضنية، بل بمنح الأطفال والنشء الوقت الكافي للاستمتاع بطفولتهم، وممارسة اللعب، والأنشطة الرياضية والفنية التي تبني أبدانهم وتنعش أرواحهم. إن الطفل السعيد نفسياً وببدن معافى هو وحده القادر على الاستيعاب والابتكار، لا ذاك المكلوم بأثقال الحشو والتلقين.
ولتحقيق هذه النقلة النوعية، فإن التطوير المنشود لا يمكن أن يتحول إلى واقع ملموس باعتماد كلي على جهود الدولة وحدها في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، بل يحتاج إلى ملحمة وطنية حقيقية تفتح الأبواب واسعة أمام المجتمع المدني، ورجال الأعمال، والمؤسسات الوطنية للاضطلاع بدورهم الأصيل في الشراكة التنموية�
د/ عبدالله محمد المغازي
مستشار رئيس الجمهورية السابق
ومعاون رئيس مجلس الوزراء الأسبق









