مايا إبراهيم تكتب : نزار فرنسيس… الكلمة التي لا تشيخ

مايا إبراهيم تكتب : نزار فرنسيس… الكلمة التي لا تشيخ

في زمنٍ باتت فيه الأغنية تُقاس بعدد النقرات لا بوزن المفردات، يخرج نزار فرنسيس من بين ركام الحروف ليقول: “أنا الشاعر… ابن الكلمة التي لا تُهادن، ولا تُقال إلا حين تُحسّ.”
إنه شاعر يكتب بمداد القلب، ويغنّي بملح الذاكرة، فتتحوّل قصائده إلى مرايا تعكس وجع الإنسان وفرحه، غربته وانتماءه، خيبته وقيامته.

وُلد نزار في رأس بعلبك، قرية تحتضنها الطبيعة كما تحتضن الأم ابنها، ومنها بدأ رحلته مع الحرف. لم يكن الشعر طارئًا على حياته، بل كان كجذر في روحه، يظهر كلّما هبّت ريح وجد، أو سال نهر حنين. درس الحقوق، لكن القصيدة كانت قانونه، والبيت الشعري هو قاعة محكمته، يحكم به على العالم بالمحبّة والصدق والانتماء.

انطلقت مسيرته الفنية مطلع التسعينات، وأضاء نجمه حين كتب قصيدة “ليل وبرد ورعد وريح”، التي غنّاها وائل كفوري فصارت صوت جيل، وعلامة فارقة في الأغنية اللبنانية الحديثة. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد نزار شاعرًا عاديًا، بل أصبح صوتًا موازيًا للفنان، يُكمل اللحن بالكلمة، ويُكمل المطرب بالشغف.

كتب لأصوات كبيرة: ملحم بركات، نجوى كرم، ماجدة الرومي، عاصي الحلاني، نانسي عجرم، إليسا، وغيرهم. وكان في كلّ عمل، لا يكرّر نفسه ولا يبيع اسمه، بل يسكن إلى النصّ حتى ينبض حيًّا ويُقال كما يجب أن يُقال.

قصيدته ليست استعراضًا لغويًا ولا زينة موسمية، بل هي موقف. كتب في الحبّ كما كتب في الوطن، كتب للجيش كما كتب للأم، كتب للفرح كما كتب للرحيل. وحين يختار أن يغنّي قصائده بصوته، لا يفعل ذلك بدافع الشهرة، بل لأن في صوته طبقة من حنين، تُشبه التراب حين يعبق بعد المطر.

في زمن السطحية، نزار عميق.
في زمن السرعة، نزار صبور.
وفي زمن التكرار، نزار مختلف.

هو من القلائل الذين يصغون للقصيدة قبل أن يكتبوها، ومن الشعراء الذين يحترمون الكلمة قبل أن يقدّموها للموسيقى. ولأنه كذلك، لا يزال صوته الشعري حاضرًا، لا يُشبه سواه، ولا يسعى لأن يُشبهه أحد.

نزار فرنسيس…
هو الوجه الآخر للأغنية، الذي لا يُرى، لكنه يُحَسّ…
هو الشاعر الذي لا يشيخ، لأن كلماته تختبئ في تفاصيلنا اليومية، وتعود لتهمس: “أنا الحرف حين يُقال بصدق… أنا نزار ".
الإعلامية مايا إبراهيم