مايا إبراهيم تكتب : ليليان إندراوس… من أول الشاشة إلى عمق القلوب
ليست كل البدايات متساوية. ثمة انطلاقة تُشبه شارة موسيقية تبقى في الوجدان مهما تعاقبت الفصول، وهذا ما كانت عليه بداية ليليان إندراوس. منذ أن أطلت على الشاشة، شعرت بها العائلات كأنها واحدة منها، لا غريبة ولا متكلّفة، بل أنيسة تشاركهم أخبار الفن كما تُروى الحكايات قرب المدفأة.
ولأن البدايات الصادقة تحتاج إلى عيون تلتقطها، فقد كانت انطلاقة ليليان مع المخرج الراحل سيمون أسمر، صانع النجوم ومهندس الشاشة، الذي امتلك حاسّة لا تخطئ في اكتشاف الموهبة. معها، رأى النعومة في الصوت، والرقيّ في الحضور، والصدق في الأداء، ففتح لها أبواب الضوء.
في زمنٍ تتبدّل فيه الوجوه وتعلو فيه الضوضاء، تبقى بعض الشخصيات ثابتة في ذاكرة الناس، لا لأنها صاخبة، بل لأنها صادقة. من بين هذه الأسماء، يلمع اسم ليليان إندراوس، واحدة من أرقى الإعلاميات اللبنانيات، وواحدة من قلّةٍ تركت أثرًا لا يُمحى في الأثير والشاشة معًا.
بدأت الحكاية من برنامج “استوديو الفن” سنة 1982، حين كانت لا تزال في المدرسة الثانوية. ومنذ تلك اللحظة، رسمت لنفسها مسارًا إعلاميًا مختلفًا، اتّسم بالرقيّ، والثقافة، والالتزام العاطفي قبل المهني.
ثمّ جاء التاريخ: 23 آب 1985، يومٌ لا يُنسى في الإعلام اللبناني. كانت ليليان الوجه الأوّل الذي أطلّ عبر شاشة الـLBC، برفقة الإعلامي الكبير رياض شرارة، لتكون شريكة الانطلاقة ومحطّة الثقة الأولى، ومقدّمة أول برنامج مباشر على الهواء بعنوان “الأول عالـLBC”، ما جعلها رمزًا لبداية عصر جديد من التلفزيون اللبناني.
لكن الكاميرا لم تكن مسكنها الوحيد. فصوتها، قبل صورتها، كان يعرفه المستمعون ويحبّونه. بين الإذاعة والتلفزيون، قدّمت آلاف الساعات من البثّ الحيّ، حاورت فيها الفنانين والمفكرين، قرّبت الفن من الناس، وحرست الكلمة من الابتذال، وظلّت حاملة لرسالة الصوت الصادق والنبرة الهادئة التي لا تفرض ذاتها بل تترك أثرها.
تنقّلت ليليان بين لبنان، مصر، وإيطاليا، حيث عملت ضمن مجموعة ART، حاملة خبرتها ولباقتها وحنوّها على الكلمة إلى الجاليات العربية، فكانت الصوت الذي لا يغيب عن ذاكرة المغتربين، والصورة التي لا تفقد دفئها رغم المسافات.
وفي محطّة صمت طويلة فرضتها عليها الحياة، غابت ليليان عن الأضواء، وعادت بعدها أكثر إشراقًا. لم تتحدّث كثيرًا عن تلك التجربة التي اختبرتها بعمق، لكنها تركت في عودتها ما يكفي من النور لنعرف أنّ بعض الغياب ليس خسارة، بل نضوج. عادت أقوى، أصفى، وأكثر اتّساعًا للحياة.
ما بين الوميض الأول والصدى الباقي، كانت ليليان إندراوس دائمًا تنتمي إلى الزمن النبيل، حيث يُقال الكلام بهدوء، وتُروى القصص بحبّ، ويُصغى إلى الصوت لأنه يستحقّ.
هي ليست إعلامية عادية، بل صوتٌ يشبه صلاة إذاعية في صباح بيروتي، ووجهٌ أحبه الناس لأنه يُشبههم… صادق، بسيط، وأنيق. في حضورها، تحضر بيروت الجميلة: صوتها، نوافذها، وثقافتها التي لا تموت.
وليليان التي صنعت بداياتها في التلفزيون، عادت لتُجدّد حضورها عبر الأثير، حيث تُطلّ اليوم من إذاعة لبنان الرسمية، حاملة في صوتها نبرة الوفاء للزمن الجميل، وروحًا إذاعية لا تزال تحفظ للإعلام معناه الأصيل.
ليليان إندراوس، تلك التي فتحت هواء الـLBC لأول مرة، وملأت أثير لبنان والعالم العربي بنبرة تُشبه الحنان، لا تزال حتى اليوم علامة من علامات الإعلام الصادق… الإعلام الذي نحتاجه أكثر من أي وقت.
وحده من يحبّ الإعلام حقًا يعرف متى يتكلّم ومتى يصمت، ومتى يعود بامتنان لا باستعراض. ليليان إندراوس اختبرت كل تلك اللحظات بعمقٍ صامت، وبصوتٍ لم يخن جوهره. بقيت، رغم الغياب، أقرب من كثيرين حضروا على مدار الساعة. لأنها لم تكن مجرّد وجه، بل حكاية دفء لبناني خالص، صيغت على مهل… وعاشت على مهل.
الإعلامية مايا إبراهيم





