مايا إبراهيم تكتب : عفيف شيّا ... الفن النبيل في زمن العابرين
في زمنٍ تتآكل فيه الأصوات الأصيلة، يبقى عفيف شيا بمثابة وثيقة حيّة لصوتٍ خرج من رحم الجبل، وارتقى بأدائه إلى قممٍ فنية لا تخضع للزمن ولا للمواسم.
من الشوف في قلب جبل لبنان، خرج هذا الفنان بصوتٍ لا يشبه إلا ذاته، صوتٌ فيه من الوقار ما يجعل كل جملة لحنية تُروى، وفيه من الدفء والصدق ما يجعل المستمع يشعر أنه على مقربة من حكاية لا تنتهي. لم يكن عفيف شيا يومًا نجم صالات مبهرجة، بل كان نجم الجوهر… ذاك الذي يعرف أن الفن ليس زينة بل رسالة، وأن الكلمة حين تقترن بالنبرة الصادقة تُصبح بيتًا دائمًا في ذاكرة الناس.
المغنّي الذي عاش الأغنية
لم يغنِّ عفيف شيا ليسمعه الناس فقط، بل غنّى ليصنع فضاءً يُقيم فيه المستمع قليلًا. بين “هبالا هبالا” و”طلّت غزالة”، وبين أغانيه الأخرى التي لم تأخذ حقها إعلاميًا، بنى صوته علاقة صادقة مع التراث ومع وجدان الناس، فكان حضوره فريدًا حتى وإن لم يكن صاخبًا.
وفي حضوره المسرحي والدرامي، أظهر براعة ممثل يحمل في صوته القدرة على إيصال المعنى قبل أن يتلفّظ بالكلمة. لم تكن مشاركاته تمثيلية محضة، بل كانت امتدادًا لهويته الفنية الكاملة. ولأنه ابن المسرح والغناء معًا، تفرّدت أدواره بعمقٍ داخلي، حتى في أصغرها.
⸻
رائد الدوبلاج… صانع الأصوات في الخفاء
قد لا يعرف كثيرون أن عفيف شيا هو أحد أعمدة الدوبلاج العربي، ذاك الفن الصعب الذي يتطلّب مهارة استثنائية في تقمّص الشخصية من خلال الصوت فقط. بصوته الجهوريّ الدافئ، أعطى الحياة لشخصيات كثيرة في أفلام ديزني والرسوم المتحركة، منها البروفيسور كالاهان في Big Hero 6، والدب لوتسو في Toy Story 3، والعالِم جامبا في Lilo & Stitch.
لم يكن مجرّد مؤدٍّ صوتي، بل ممثل حقيقي خلف المايكروفون، يحمل في نبرته ملامح الشخصية، ويفرض على المشاهد احترامًا لخصوصية الأداء العربي.
⸻
فنان لا يقيس النجاح بالضوء
في عالم يبحث عن “الترند”، ظلّ عفيف شيا وفيًّا لأصالته، ولم يساوم على فنه في سبيل الانتشار. اختار الطريق الأصعب، طريق الفنّ العميق الهادئ، ووقف شامخًا في وجه سطوة السوق التجارية. لا يكترث لعدد الإطلالات، بل لجودتها. لا يعنيه حجم الدور، بل أثره. وهنا يكمن الفرق بين الفنان العابر، والفنان الباقي.
⸻
عفيف شيا… الوجه النبيل للفن
هو الفنان الذي كلّما تكلّم، أنصتنا. وكلّما غنّى، صدّقناه. هو ابن جيلٍ لم يلهث خلف الضوء، بل حمل الضوء من داخله ومشى. وفي صوته، كما في شخصه، نجد مثالًا لفنّانٍ نادر، يعلّمنا أن الحضور لا يُقاس بالضجيج، بل بالبصمة الهادئة التي لا تُنسى.
الإعلامية مايا إبراهيم





