مايا إبراهيم تكتب : جمال فيّاض… الصوت الذي لا يُجامل، والقلم الذي لا يُهادن
في عالمٍ تتكاثر فيه الأصوات وتخفت فيه الحقيقة، يخرج جمال فيّاض كمن يُتقن الإصغاء قبل أن ينطق، وكمن لا يكتب إلّا حين تشتعل فيه شرارة الرأي الصادق. ليس مجرّد إعلامي مرّ من هنا، بل مرآة نزيهة للصحافة الفنية، وضمير يقظ في ساحةٍ يغلب عليها التملّق والمصالح.
منذ بداياته، كان مختلفًا. ابن المدرسة اللبنانية الكلاسيكية، المتشبّع بثقافةٍ واسعة وصوتٍ إذاعيّ رخيم، خطّ لنفسه مسارًا لا يُشبه أحدًا. درس الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية، ثم ذهب إلى فرنسا لا ليهاجر، بل ليعود محمّلًا بأدوات النقد المعمّق، حاصدًا شهادة الدكتوراه في الإعلام والتواصل، ومسلّحًا برؤية تفتح العيون، وتقلق الكسالى، وتُربك المُطمئنين إلى الرداءة.
فيّاض لا يكتفي بالحضور، بل يصنع الفرق أينما حلّ. لا يظهر على الشاشة أو في الصفحات ليملأ حيّزًا، بل ليطرح فكرة، ويضيء جملة، ويُثبّت موقفًا لا يترنّح. أدار التحرير كما يدير مايسترو فرقة موسيقية، فكان سكرتير تحرير مجلة “ألوان”، ومدير مكتب مجلة “روتانا” في بيروت، ورئيس القسم الفني في مكتب مجلة “سيدتي” ببيروت، وأسّس مساحات صحفية طوّعت الفن في خدمة الرأي، لا العكس.
لكنه لم يكن ناقدًا يكتفي بالملاحظات العابرة، بل بنى لغته من حرارة الفن نفسه. في كل كلمة يكتبها، تلمح الحب، والغيرة، والرغبة في أن يكون المشهد أجمل. لا يكتب ليُرضي، بل ليُغيّر. ولهذا يُستدعى اسمه دومًا حين تحتاج الشاشة أو الصحافة إلى رأيٍ لا يُشترى ولا يُؤجَّر.
في التلفزيون، كما في الصحافة، عرف كيف يمرّر رسائله بشغف من دون أن يُضيع البوصلة. شارك في إعداد وتقديم مئات البرامج بين بيروت، باريس ودبي، وظلّ صوته يحمل البُعد الإنساني والفني في آن. هو ناقد لا يُعادي، لكنه أيضًا لا يُهادن. يحترم الكلمة ولا يبيعها. ومن هنا تأتي فرادته.
تكريمه في غير مهرجانٍ عربي، من الداخلة إلى بعلبك، ليس سوى تحصيل حاصل لمسيرةٍ تشبه قصيدة نثر طويلة، سطّرها على مهله، بحروفٍ واضحة ونبضٍ لا يهدأ.
جمال فيّاض ليس فقط ناقدًا، بل شاهد على تحوّلات الفن، وأحيانًا كثيرة، مؤرّخ لها. هو عينٌ مفتوحة على الجمال، وأخرى على الخلل. وفي زمن الضجيج، يختار أن يكون الصمت حين يجب، والصوت حين يُطلب. وبين هذا وذاك، يكتب… وكم من كتابةٍ تُنقذ الحقيقة من الضياع.
هكذا هو جمال فيّاض… لا يكتب ليُطرب، بل ليُوقظ. لا يصرخ، بل يُقنع. وفي زمنٍ تُشترى فيه الأصوات، يظلّ صوته حرًّا لا يُشترى، وحبره شاهدًا لا تقدر عليه المساومات، ولا تمحوه الرياح.
الإعلامية مايا إبراهيم





