مايا إبراهيم تكتب :  جاندارك أبو زيد… السيّدة التي نطقت الشاشة باسم الوطن

مايا إبراهيم تكتب :  جاندارك أبو زيد… السيّدة التي نطقت الشاشة باسم الوطن

في زمنٍ كانت فيه الشاشة نافذة على المعرفة لا مرآة للزيف، أطلت جاندارك أبو زيد فيّاض بصوتٍ دافئ ونبرةٍ راقية، تشبه كتب اللغة القديمة التي لا تشيخ. لم تكن مذيعة فحسب، بل امرأة من زمن النقاء التلفزيوني، حين كانت الكلمة مسؤولية، والطلّة التزامًا، لا زينة.

منذ بداياتها على شاشة تلفزيون لبنان، كتبت اسمها بحروف من مهنية وصدق. كانت من أوائل من قرأن نشرات الأخبار بصوتٍ ثابت وإلقاءٍ عذب، لتصبح أول وجه نسائي يتقدّم الشاشة الرسمية في نشرة الأخبار. لم تحتَج إلى بهرجة أو استعراض، بل كانت ثقافتها وحضورها وسلام لغتها هي عدّتها.

لكن جاندارك لم تحصر نفسها في الإلقاء الإخباري، بل خاضت تجربة غنيّة في تقديم برامج المنوّعات والألعاب، وشاركت الإعلامي الكبير نجيب حنكش في تقديم عدد من البرامج التي شكّلت علامات فارقة في الذاكرة الجماعية اللبنانية.

كما قدّمت برنامج الأطفال الشهير “دنيا الأطفال”، الذي ارتبط بذاكرة أجيال كاملة، وتجلّت فيه شخصيّتها المحبّبة والمثقّفة تحت لقب “الصديقة جنان”، فكانت الشاشة مساحة دفء وتواصل صادق بين الكبار والصغار.

وفي مساحة الفكر والثقافة، تألّقت في إعداد وتقديم برنامج “مجالس الأدب”، وهو من أبرز ما قُدِّم في الإعلام العربي عن الأدب والشعر، حيث تناول أدباء وشعراء العرب منذ الجاهلية وما تلاها، مقدّمة مادّة علمية راقية بأسلوب مبسّط ومُحبّب.

كما كان لها بصمة لا تُنسى في برنامج “السجّل الذهبي”، الذي وثّق سِيَر أدباء وشعراء لبنان، مسجّلة أسماءهم في ذاكرة الوطن المرئية، وأعادت الاعتبار لمكانة الكلمة والكاتب في الوجدان العام.

ليست جاندارك مجرّد صفحة في أرشيف الإعلام، بل حارسة الضوء في زمن الأبيض والأسود. عاصرت عهودًا من الحرب والسلم، وبقيت رسولة الإخلاص للشاشة، لا تهادن في اللغة، ولا تساوم على القيم.

في كل ظهورٍ لها، تُشبه جاندارك دفتر الوطن حين يُفتح على فصلٍ نقيّ. لا تشكو، لا تتلوّن، ولا تغيب. هي ثابتة مثل المبادئ، أنيقة مثل اللغة، وحنونة كأمٍّ تُمسك بكفّ الكاميرا كأنها طفلها.

اليوم، وقد اختلف شكل الإعلام وتغيّر لونه، تبقى جاندارك أبو زيد صورةً لا تغيب عن ذاكرة جيلٍ كامل. صورة ناصعة كالثوب الأبيض الذي يليق بها، وكنبرة الصوت التي تربّت في حضن الكلمة واحترمت عقل المُشاهد.

تحية لهذه السيّدة التي ما زالت، حتى اللحظة، تقول ما يجب أن يُقال… بلا ضجيج، وبكل كرامة.
الإعلامية مايا إبراهيم