مايا إبراهيم تكتب : السينما وطن مصوَّر… سميرة جيلاني نموذجًا

مايا إبراهيم تكتب : السينما وطن مصوَّر… سميرة جيلاني نموذجًا

في حضرة الصورة التي تتكلم، وفي بلادٍ تنسج تاريخها بدم الشهداء وأحلام المبدعين، تبرز سميرة جيلاني كواحدة من نساء الجزائر اللواتي حملن الكاميرا لا لتوثيق الواقع فحسب، بل لإعادة صياغته بلغة الكرامة والضوء. من خلف الكواليس، صنعت للسينما الجزائرية وجهًا أنيقًا، نابضًا بالانتماء، وجعلت من الفن السابع مساحةً للحوار، ومرآةً لروح الوطن. إنها ليست مجرد منتجة، بل حارسة حكاية، وامرأة اختارت أن تكون الصورة رسالتها الأصدق.

في مشهد الفن السابع الجزائري، برز اسم سميرة جيلاني كشعلة من الإبداع والحلم المستمر، جمعت بين الفكر السياسي العميق وحسّ الصورة الفيلمية الآسرة، فكانت صوتًا نسويًا قويًا في فضاء الإنتاج السينمائي، حيث لم تكتفِ بدور خلف الكاميرا، بل حملت الكاميرا كأداة مقاومة ثقافية، ونافذة لحكايات الوطن وهوامشه.

من كلية العلوم السياسية، حيث حصلت على دكتوراه في العلاقات الدولية، إلى استديوهات السينما ومهرجانات الفن، شقّت سميرة جيلاني طريقًا فريدًا قلّ نظيره. لم يكن انتقالها من قاعات المحاضرات إلى مواقع التصوير مجرّد تحوّل مهني، بل كان استكمالًا لمسيرة نضالية بفكرها، تؤمن بأن الثقافة هي الوجه الأجمل للنضال.

أسّست شركتها للإنتاج التلفزيوني والسينمائي، وسعت من خلالها إلى إعادة سرد التاريخ الجزائري من منظور فني، فكان فيلم “أحمد باي” أحد أبرز مشاريعها، حيث أضاءت فيه على سيرة الحاكم العثماني الذي وقف بشجاعة في وجه الاحتلال الفرنسي، وقدّمت من خلاله صورة سينمائية أصيلة تعكس عمق الشخصية الجزائرية وكرامتها التاريخية.

“السينما ليست فقط صورة متحركة، بل نبض حياة ومقاومة في آن واحد” — كلمات تلخص فلسفة جيلاني، التي ترى في كل لقطة فرصة لإيصال رسالة وخلق وعي جديد.

لكن طموح جيلاني لم يتوقف عند الإنتاج، بل اتجهت نحو تعزيز مكانة المرأة الجزائرية في السينما، فترأست الشبكة الجزائرية للنساء المهنيات في السينما والتلفزيون، وأسست مهرجان “الجينيريك الذهبي”، كمنصة فنية للحوار والتقارب العربي، حاملةً في كل مبادرة بذور الحب والسلام، إيمانًا منها بأن الفن الحقيقي لا يُفرّق بل يُجمّع.

في المحافل الثقافية الدولية، حملت سميرة جيلاني راية الجزائر بقلب مفتوح وروح دبلوماسية، داعية إلى حوار الثقافات لا صدامها، وإلى سرد عربي يمتلك مفاتيح الحكاية، لا يكون تابعًا لرؤية الآخر.

سميرة جيلاني ليست فقط منتجة أفلام، بل هي منتجة معنى. امرأةٌ آمنت أن السينما ليست ترفًا، بل مسؤولية، وأن كل لقطة تُصوّر بعين مخلصة قد تغيّر وعي جيل بأكمله.

في زمن باتت فيه الصورة تتفوّق على الكلمة، اختارت جيلاني أن تكون صورها مرآةً للكرامة، وذاكرة لا تشيخ.

وحدها الأسماء التي تحمل رسالة تبقى. وسميرة جيلاني، ببصيرتها الفنية وصدقها الإنساني، حجزت لنفسها مكانًا في ذاكرة السينما الجزائرية والعربية، لا كمنتجة أفلام فحسب، بل كصانعة جسور بين الماضي والحلم، بين الوطن والعدسة. في كل مشروع لها، تتقد الشعلة ذاتها: أن تُروى القصة كما تستحق، وأن تُرى الجزائر كما هي… شامخة، نبيلة، وصامدة كصاحبة هذه السيرة. 
الإعلامية مايا إبراهيم