​حكايات الشويخ - الحكاية الثالثة والعشرون: شجر الدر.. المرأة التي أدارت الحرب من خلف الستار

​حكايات الشويخ - الحكاية الثالثة والعشرون: شجر الدر.. المرأة التي أدارت الحرب من خلف الستار

​القسم الثالث: عظماء في التاريخ الإسلامي
​بجريدة الأنباء الدولية

​بقلم: عثمان الشويخ

​أهلاً بكم في الحكاية الثالثة والعشرين من حكايات الشويخ.
 اليوم نسلط الضوء على شخصية استثنائية، أثبتت أن العظمة لا تقتصر على الرجال، وأن إدارة الدول في وقت الأزمات الوجودية تحتاج إلى ثبات انفعالي وذكاء استراتيجي يفوق الوصف.
 إننا نتحدث عن "شجر الدر"، المرأة التي أنقذت مصر من السقوط في يد الصليبيين في لحظة من أصعب لحظات التاريخ.

​لماذا نحكي عن شجر الدر اليوم؟
 لأننا نرى في عالمنا المعاصر كيف تُدار الحروب بـ "تزييف المعلومات" وبث الروح الانهزامية.
 وشجر الدر واجهت أكبر خطر يهدد الدولة؛ وهو خطر الانهيار النفسي للجيش والشعب عند رحيل القائد، فاستطاعت بحنكتها أن تقلب الموازين وتُفشل مشروع "لويس التاسع" لاحتلال مصر.

​من الجارية إلى سُدة الحكم.. صناعة القائدة
​شجر الدر،  هي خوارزمية الأصل، لم تكن مجرد زوجة للسلطان، بل كانت رفيقة دربه منذ أن اشتراها الصالح نجم الدين أيوب قبل سلطنته، حتى إنها شاركته محنة الاعتقال في "الكرك"، مما صقل معدنها وصبرُها.

 وحين اعتلى الصالح أيوب عرش مصر، لم تكن غائبة عن المشهد، بل كانت تنوب عنه في الحكم حين يخرج للحروب، وكان يثق في ذكائها لدرجة أنه ترك لها "أوراقاً على بياض" مختومة بختمه لتتصرف في الأمور العاجلة، وهذا ما يفسر قدرتها المذهلة على إدارة الأزمة لاحقاً.

​إدارة الأزمة.. الصمت الذي صنع النصر

​في ذروة الهجوم الصليبي على المنصورة عام ١٢٤٩م، توفي زوجها السلطان "الصالح أيوب".

 هنا تجلى ذكاء شجر الدر؛ فلو أعلنت الخبر في تلك اللحظة الحرجة، لانهارت معنويات الجنود وسقطت البلاد أمام الاحتلال.
 بقرار شجاع، أخفت خبر الوفاة، واستمرت في إصدار الأوامر العسكرية باسم السلطان مستخدمة الأوراق المختومة، وكانت تُدخل الطعام للأطباء في حجرة السلطان المتوفى لإيهام الجميع بأنه لا يزال حياً. 

هذا "الخداع الاستراتيجي" هو الذي حافظ على تماسك الجبهة الداخلية ومنع العدو من استغلال الثغرة، ليعلمنا أن حماية وعي الناس أولوية قصوى في زمن الحرب.

​موقعة المنصورة.. دهاء القيادة وظهور المماليك
​لم تكتفِ شجر الدر بإدارة المشهد السياسي، بل كانت العقل الذي يدير التحركات؛ حيث استدعت "توران شاه" ليخلف أباه، ورتبت مع القادة المماليك (كبيبرس وأقطاي) خطة استدراج الصليبيين لداخل المنصورة. 
وفي حواري المدينة، وقع الفرسان الصليبيون في المصيدة، وقُتل "روبرت دارتوا" أخو ملك فرنسا، وانتهت المعركة بهزيمة تاريخية للمحتل وأسر الملك "لويس التاسع" نفسه.
 لقد كانت هي "المايسترو" الذي يعزف لحن النصر من وراء ستار، محطمة بذلك أحلام الغرب في احتلال قلب العالم الإسلامي.

​بين بيعة السلطانة ومعارضة "سلطان العلماء"
​بعد مقتل توران شاه، بايع المماليك شجر الدر لتكون سلطانة على مصر، ونُقش اسمها على السكة بلقب فريد: "المستعصمية الصالحية ملكة المسلمين والدة خليل أمير المؤمنين". 
ورغم حزمها في إدارة الدولة وتصفية الوجود الصليبي بفدية كبيرة، إلا أنها واجهت معارضة داخلية شرسة قادها "العز بن عبد السلام" (بطل حكايتنا السابقة)

 الذي عارض ولاية المرأة من منظور شرعي، كما أرسل الخليفة المستعصم من بغداد رسالته الشهيرة للمماليك: "إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأعلمونا حتى نسيّر إليكم رجلاً". 
وتحت هذا الضغط، تنازلت عن العرش لزوجها "عز الدين أيبك"، لكنها ظلت الحاكم الفعلي من وراء الستار.

​رسالة الوعي اليوم
​إن قصة شجر الدر ترسل رسالة قوية لنا اليوم وسط الاعتداءات والمشروعات التي تحاول النيل من استقرارنا؛ وهي أن تماسك الجبهة الداخلية يبدأ من "القيادة الواعية" التي تعرف كيف تدير الأزمة دون ترهيب أو تزييف للحقائق بهدف الإحباط، بل بهدف التعبئة والانتصار. 
ورغم نهايتها المأساوية في صراع السلطة، إلا أن دورها في حماية بيضة الإسلام في لحظة فارقة سيظل خالداً.

​إن هدفي من سرد هذه الحكايات هو أن يتعرف أولادنا وبناتنا على رموزهم العظيمة، فمن الضروري أن نزرع فيهم أن من ليس له ماضي، فليس له حاضر ولا مستقبل. وما فعلناه هنا هو محاولة بسيطة لرد الاعتبار لشخصيات أثرت في تاريخنا ويجهلها الكثير منا، لعلنا نستلهم منها القوة لمواجهة تحدياتنا الحاضرة.

​رمضان مبارك عليكم، وانتظرونا في الحكاية القادمة من حكايات الشويخ.