مايا إبراهيم تكتب : سميرة توفيق… بدويّة الطرب التي غنّت للصحراء فجاءتها التصفيقات من المدن
في زمنٍ كانت فيه اللهجات المدينية تحتكر المايكروفون، ظهرت امرأة بحنجرة تفيض غبارًا صحراويًا وحنينًا بدويًا، وقالت للفن العربي: “ها أنا ذا”.
إنها سميرة توفيق… تلك التي لم تكن مجرّد مغنّية، بل ملامح جغراف??ا كاملة اختزنت البادية في نبرتها، والأردن في قلبها، ولبنان في شموخها.
وُلدت في بيروت، لكن صوتها شدّ الرحال إلى خيمةٍ في عمق البادية ليسكنها. تنقّلت بين إذاعات لبنان وسوريا والأردن، لكن انطلاقتها الكبرى كانت من عمّان، حيث احتضنها الملك الحسين بنفسه، ومنحها الأرض الرحبة لتنشر صوتها على المدى. ما أن غنّت “ديرتنا الأردنية” و “بالله تصبّوا هالقهوة”، حتى باتت أيقونة الهوية في وطنٍ تبنّاها محبةً لا مجاملة.
كان كل شيء فيها بدويًّا أصيلاً: زيّها، مشيتها، غناؤها، وحتى صمتها بين الأغنيات. لم تساير الموجات، بل صنعت موجتها التي تباهي بها الرمال، ووقفت بشموخ فوقها.
غنّت للحبّ، للكرامة، للأرض، وللقهوة التي تُشرب بكرامة لا مجاملة. فكانت أشبه بسيّدة بدويّة تروي القصص على مسامع القبيلة، لا على وقع التصفيق، بل على نبض الوفاء.
شاركت في السينما، لكنها لم تكن تحتاج إلى عدسة لتُرى، فقد كانت تُرى بجمال صوتها. وفي زمن الأضواء الكثيرة، اختارت أن تحتفظ بأصالتها كقنديلٍ في بيت قديم… لا ينطفئ، بل يُضيء دون ضجيج.
واليوم، بعد أن صمتت الأغاني الجديدة ولم نعد نسمع سوى صدى القديم، لا تزال سميرة توفيق تبتسم من الصور القديمة، امرأة غنّت وابتعدت… فبقي الحنين يُردّد أغنياتها كما لو أنها لم تغب.
في حضورها، لا يعود الأمر مجرّد استماع لأغنية، بل هو عبور نحو زمنٍ كانت فيه الأصوات تنبع من الجذور، لا من الحسابات. زمنٌ نقيّ كالقهوة التي غنّت لها، وحنون كالخيمة التي أعطتها المجد.
الإعلامية مايا إبراهيم





