حكايات الشويخ - الحكاية الخامسة والعشرون: نظام الملك.. العقل الذي بنى جيش العقول وصنع فجر النصر
القسم الثالث: عظماء في التاريخ الإسلامي
بجريدة الأنباء الدولية
بقلم: عثمان الشويخ
أهلاً بكم في الحكاية الخامسة والعشرين من حكايات الشويخ.
في الحكاية السابقة وقفنا مبهورين أمام شجاعة السلطان ألب أرسلان في معركة ملاذكرد ولكن هل سألتم أنفسكم يوماً من الذي هيأ الأرض لهذا النصر؟
من الذي أدار مطبخ الدولة السياسي والفكري ليخرج لنا ذاك الجيل الصامد؟
اليوم نكتب ونتحدث عن الرجل الضلع والوزير الأسطوري الذي لولاه لربما تغير مسار التاريخ..
إنه نظام الملك.
لماذا نظام الملك ؟
لأننا في حكايات الشويخ نؤمن أن مواجهة مشروعات تزييف الوعي والغطرسة الصهيونية الأمريكية اليوم لا تحتاج فقط إلى سيف" يقاتل
بل تحتاج قبل ذلك إلى عقل يخطط ومدرسة تربي.
فنظام الملك هو الذي أثبت أن النصر يُصنع في قاعات العلم قبل أن يُحسم في ساحات الحرب.
البطاقة التعريفية.. حين يكون الوزير عالماً
هو الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي
المعروف بـقوام الدين.
لم يكن نظام الملك مجرد موظف في بلاط السلطان بل كان رفيق درب ألب أرسلان ووالده الروحي والوزير الذي أدار شؤون الدولة لأكثر من ثلاثين عاماً.
كان عالماً فقيراً بدأ حياته بطلب العلم فانتهى به المطاف وهو يضع الكتالوج الحقيقي لإدارة الممالك في كتابه الشهير سياست نامه (سير الملوك)
الذي يدرّس فنون الإدارة ومحاربة الفساد والرقابة على الولاة حتى يومنا هذا.
المدارس النظامية.. جيش العقول ضد تزييف الوعي
أدرك نظام الملك بعبقريته أن الأمة تواجه خطراً داخلياً لا يقل عن خطر الروم والتتار وهو خطر الفرق المنحرفة (كالحشاشين والباطنية) التي كانت تغزو عقول الشباب بالأفكار المسمومة.
فكان رده استراتيجياً بامتياز حيث أنشأ المدارس النظامية في بغداد ونيسابور وأصفهان.
هذه المدارس لم تكن مجرد مبانٍ بل كانت مصنعاً للقادة خرجت علماء بحجم (أبو حامد الغزالي) الذين قادوا حركة الإصلاح الديني والفكري.
ومن رحم هذه المدارس خرج الجيل الذي ربى السلطان نور الدين محمود زنكي و السلطان صلاح الدين الأيوبي.
فلو كان صلاح الدين هو من حرر القدس فإن نظام الملك هو من زرع بذرة الوعي في نفوس أجداد من حرروها.
رفقة العظماء.. ألب أرسلان وعمر الخيام
كانت العلاقة بين ألب أرسلان ونظام الملك قائمة على الثقة المطلقة فكان السلطان يقول له: أنت الوالد الشفيق وكان يسلمه أوراقاً مختومة على بياض ليحكم بالعدل.
وفي جانب آخر من حياته كان نظام الملك صديقاً وفياً للشاعر والعالم الشهير عمر الخيام.
ورغم اختلاف مشاربهما إلا أن نظام الملك هو من رعى نبوغ الخيام العلمي وخصص له راتباً ليتفرغ لأبحاثه الفلكية وبناء المرصد
مما يظهر أن دولة نظام الملك كانت دولة علم وشعر وفكر
وليست مجرد ثكنة عسكرية.
الخيانة التي لا ترحم العظماء
كما غدر الخونة بألب أرسلان لم يسلم نظام الملك من طابور العمالة. ففي عام 1092م وبينما كان في طريقه إلى مكة اقترب منه شاب من فرقة الحشاشين (أولى منظمات الإرهاب والعمالة في التاريخ) متنكراً في زي درويش واستل خنجراً مسموماً ليغرس في صدر الرجل الذي بنى للأمة مجدها.
لقد أدرك الأعداء وقتها أن قتل العقل المدبر هو أقصر طريق لضرب الدولة من الداخل.
إن الخونة والعملاء في كل عصر من يوسف الخوارزمي الذي غدر بألب أرسلان إلى الحشاشين الذين غدروا بنظام الملك وصولاً إلى عملاء اليوم الذين يمهدون الطريق للمشروع الصهيوني هم وجه واحد لعملة واحدة.
هم الخنجر المسموم في ظهر الأمة الذي يظهر كلما عجز العدو عن المواجهة الشريفة.
رسالة الوعي اليوم
إننا نستحضر سيرة نظام الملك لنقول لكل من يبحث عن مخرج من أزماتنا الحالية ابدأوا ببناء العقول قبل الجدران.
فالغطرسة الأمريكية والصهيونية التي يمثلها (ترامب) وأمثاله والتي تحاول تزييف وعينا بقوة السلاح لن تنكسر إلا بجيل يملك وعي أتباع نظام الملك وشجاعة جنود ألب أرسلان.
إن رسالتي من وراء هذه الحكايات هي محاولة لغرس جذور العزة في نفوس أبنائنا ليعلموا أن العظمة تُبنى بالعلم والعدل والإخلاص لا بالتبعية والانهزام.
إننا نبحث في سير هؤلاء العظماء لنبني بها حاضرنا مؤمنين بأن الأمة التي تصون ذاكرتها من الخونة وتحتفي بـعلمائها
هي أمة لا تقبل الانكسار مهما بلغت غطرسة الخصوم.
رمضان مبارك عليكم وانتظرونا في الحكاية القادمة من حكايات الشويخ.





