​حكايات الشويخ الحكاية الثلاثون والأخيرة الناصر صلاح الدين الأيوبي محرر القدس وبشارة النصر الآتي

​حكايات الشويخ الحكاية الثلاثون والأخيرة الناصر صلاح الدين الأيوبي محرر القدس وبشارة النصر الآتي

القسم الثالث عظماء في التاريخ الإسلامي
بجريدة الأنباء الدولية
بقلم عثمان الشويخ

​أهلا بكم في الحكاية الثلاثين والأخيرة من سلسلة حكايات الشويخ في هذا الشهر الفضيل

 بعد أن اجتهدنا طوال أيام رمضان المبارك في رحلة بدأت بالتعرف على أنوار آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم في القسم الأول
 ثم أبحرنا في القسم الثاني لننفض الغبار عن سير الصحابة الكرام المنسيين رضوان الله عليهم
 ثم ختمنا القسم الثالث بعظماء التاريخ الإسلامي الذين يجهل سيرتهم الكثير منا
 لقد اجتهدت قدر المستطاع ابتغاء مرضاة الله وأن ينفع بنا الله ويصحح وعي أمتنا

 ومن باب التفاؤل أثرت أن تكون الحكاية الثلاثون والمسك الختامي عن الناصر صلاح الدين الأيوبي محرر بيت المقدس والمسجد الأقصى آملين أن يبعث الله فينا من يحرر بيت المقدس من أيدي اليهود الغاصبين وفي ظل الاعتداءات الصهيونية الغاشمة وتدنيس المسجد الأقصى نرفع أكف الضراعة موقنين أن دولة الظلم ساعة وأن التاريخ يخبرنا بأن دولة اليهود لم تدم قط أكثر من ثمانين عاما وها هي ذي تقترب من نهايتها المحتومة بإذن الله

​النشأة والعقيدة  التي صنعت البطل صلاح الدين الأيوبي 

ولد يوسف بن أيوب الملقب بصلاح الدين في قلعة تكريت عام ٥٣٢ هجري في ليلة مغادرة أهله لها وكأن القدر يعده ليكون غريبا مرتحلا حتى يستقر في قلب القدس نشأ في دمشق وتربى في مدرسة الملك العادل نور الدين زنكي بطل الحكاية السابقة 
فنهل منها معاني الزهد والوحدة والجهاد لم يكن صلاح الدين مجرد قائد عسكري بل كان رجل عقيدة فهم مبكرا أن السيف الذي لا تحركه عقيدة هو سيف مكسور

 فبدأ بمهمته الكبرى وهي توحيد الجناحين مصر والشام لتطويق الوجود الصليبي والقضاء على بؤر الفتن الداخلية التي كانت تمزق جسد الأمة

​مصر قلب الدولة الأيوبية وقاعدة النصر العظيم
لم يكن لصلاح الدين أن يكسر شوكة الصليبيين لولا أن سخر الله له مصر لتكون هي الممول الرئيسي والركن الشديد الذي يأوي إليه فبمجرد ضمه لمصر وتوحيدها مع الشام تحقق الشرط الضروري للنصر
 وهو الوحدة حيث طوق الصليبيين من جهتين وأنهى التبعية للدولة الفاطمية ليعيد الأمة لراية واحدة وتحت حكمه صارت القاهرة هي العاصمة الفعلية لإدارة الحرب فبنى قلعة الجبل وسور القاهرة العظيم بإشراف بهاء الدين قراقوش 
لتكون معقلاً آمناً ومخزناً للسلاح ومن مصر خرجت الأموال والغلال والأسلحة التي جهزت الجيوش الضخمة بل إن الأسطول البحري المصري هو الذي حمى الشواطئ من غارات الغزاة ليكون الجيش الذي خاض حطين في عام ٥٨٣ هجري معتمداً في قوته وعتاده ورجاله على كفاءات ومقاتلين من قلب مصر وعلى رأسهم ابنه الملك الأفضل لتبقى مصر هي القلب النابض الذي ضخ دماء الحياة في عروق الأمة حتى استردت قدسها السليب


​ملحمة حطين وعبقرية الناصر  صلاح الدين 

في يوم السبت ٢٤ ربيع الآخر عام ٥٨٣ هجري وقف التاريخ إجلالا لصلاح الدين فوق أرض فلسطين الحبيبة وتحديداً عند قرون حطين بعبقرية عسكرية فذة استدرج صلاح الدين جيوش الصليبيين في عز الصيف وتحت لهيب الشمس وجعلهم يمشون مسافات طويلة بملابسهم الحديدية الثقيلة حتى تقطعت أنفاسهم ثم قام بحرق الحشائش الجافة حولهم ليزيدهم عطشا وفوق ذلك منع عنهم الوصول لماء طبريا تماما وفي تلك اللحظة الحاسمة انقض عليهم بجيشه المجاهد وهم في أسوأ حالاتهم وحطم أسطورة فرسان الهيكل

 وقتل عدو الله أرناط الذي تجرأ يوماً على التهديد بنبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم

 فسجد صلاح الدين شكرا لله على تلال حطين وهو يرى ملوك أوروبا صاغرين بين يديه ليثبت للعالم أن الغطرسة مهما طالت فإنها تتكسر تحت أقدام المخلصين

​فتح القدس والوفاء لمنبر نور الدين
في ليلة ذكرى الإسراء والمعراج دخل صلاح الدين القدس فاتحا طهر المسجد الأقصى من دنس الصليبيين بعد ٩١ عاما من الاحتلال

 وهنا تجلت عظمة الوفاء حيث أمر بإحضار المنبر الذي صنعه معلمه نور الدين زنكي قبل عشرين عاما ليضعه في مكانه كما حلم معلمه تماما وهنا تجلت أخلاق الإسلام التي يفتقدها العالم اليوم فعلى عكس ما فعله الصليبيون من مذابح سالت فيها الدماء في كل مكان يوم دخولهم القدس

 قدم صلاح الدين أروع أمثلة العفو والرحمة فسمح للفقراء بالخروج دون فدية بل ودفع من ماله الخاص فدية لعجائزهم وأطفالهم ليعلم الدنيا أن القوة في يد المسلم رحمة وفي يد غيره نقمة

​مواقف في الزهد والعدالة المطلقة
عاش صلاح الدين ملكا لكنه كان يرفض أن يميز نفسه عن جنوده يروى عنه أنه حين اشتد البرد في إحدى المعارك وطلب منه جنده أن ينام في خيمة دافئة رفض وقال لا أنام إلا كما ينام جنود المسلمين وكان يقف في القضاء خصما أمام عامة الناس ليثبت أن العدل هو أساس الملك
 وحين مات لم يترك في خزانته إلا بضع دراهم وجرامات من الذهب لا تكفي لتجهيز جنازته لأنه أنفق كل ما يملك في سبيل عزة الأمة وتجهيز الجيوش وبناء المدارس والمستشفيات كان ينام في خيمته بين جنوده ويأكل مما يأكلون 

ويجالس العلماء والفقراء ويسمع شكوى المظلومين بنفسه ليصيغ نموذجا للحاكم الذي يخشى الله في رعيته

​رسالة الختام ونداء الوحدة
إن الدرس الأكبر الذي نختم به حكايات الشويخ هو أن النصر لم يحالف صلاح الدين إلا حين نجح في توحيد العرب والمسلمين تحت راية واحدة وهذا ما نحتاجه ونتمناه الآن في ظل ما يحدث في الشرق الأوسط من مخاطر وجودية واعتداءات صهيو أمريكية سافرة وإعلانات علنية من القيادات الإسرائيلية عن مشروع إسرائيل الكبرى الخبيث إن التاريخ لا يحابي أحدا ولن تقوم لنا قائمة إلا بالاتحاد والاعتصام بحبل الله

 لقد استشرف الرئيس عبد الفتاح السيسي هذه المخاطر مبكرا حين دعا في عام ٢٠١٥ لإنشاء جيش عربي مشترك يواجه التهديدات الوجودية ويحمي مقدرات الأمة ولكن للأسف لم تكن هناك استجابة حقيقية في ذلك الوقت
وها نحن اليوم نرى بأعيننا كيف يتربص بنا الأعداء وكيف لا يحترم العالم إلا القوي الموحد

 إن ثقتي في الله لا تهتز بأن فجر النصر قادم وأن لعنة الثمانين عاما ستطارد هذا الكيان الغاصب الذي بني على الباطل ولن يبقى في القدس إلا أصحاب الأرض الأوفياء أحفاد صلاح الدين ونور الدين

 تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال ورمضان مبارك عليكم وأسأل الله أن يعيد علينا هذه الأيام وقد تحرر الأقصى وعادت للأمة عزتها وكرامتها

​لقد اجتهدت قدر المستطاع ابتغاء مرضاة الله حتي أسهم ولو بجزء بسيط في نشر الوعي بين أبنائنا إن كان من نقص اونسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه

 كانت هذه حكايات الشويخ طوال شهر رمضان نلقاكم على خير ودائما نردد الله غالب