​حكايات الشويخ الحكاية التاسعة والعشرون نور الدين زنكي الشهيد الزاهد والمهندس الأول لفتح القدس

​حكايات الشويخ الحكاية التاسعة والعشرون نور الدين زنكي الشهيد الزاهد والمهندس الأول لفتح القدس

القسم الثالث عظماء في التاريخ الإسلامي
بجريدة الأنباء الدولية
بقلم عثمان الشويخ

​أهلا بكم في الحكاية التاسعة والعشرين من حكايات الشويخ
 اليوم نتحدث عن رجل لم ينل من الشهرة ما ناله تلميذه صلاح الدين الأيوبي رغم أنه هو من وضع حجر الأساس لكل انتصاراتنا نتحدث عن الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن آقسنقر بن عبد الله آل ترغان الرجل الذي علم الأمة أن الطريق إلى القدس يبدأ بإصلاح النفس وتوحيد الصف

​لماذا نور الدين زنكي الآن
لأننا نعيش زمنا يشبه زمنه حيث تمزقت الأمة لدويلات وعواصم لا يجمعها قرار وحيث يظن البعض أن الغطرسة الصهيونية الأمريكية قدر لا يمكن رده إن نور الدين زنكي هو الرد التاريخي على أن الحق إذا وجد قائدا زاهدا ومقاتلا مخلصا ذابت أمامه كل أساطير القوة

​الزاهد الذي أرعب القياصرة
ولد نور الدين في عام ٥١١ هجري بمدينة واسط وكان والده عماد الدين زنكي بطلا فاتحا وقائدا في الجيش العباسي نشأ نور الدين في بيت جهاد وعُرف بصفاته الجسدية المهيبة فقد كان أسمر اللون طويل القامة حسن الصورة لا يوجد في وجهه شعر سوى ذقنه

 لم يكن ملكا يعيش في القصور بل كان مجاهدا يعيش في الخيام يروى عنه أنه لم يكن يملك من مال الدنيا شيئا لدرجة أن زوجته عصمة الدين خاتون شكت إليه الضيق فاشترى لها ثلاثة دكاكين في حمص من ماله الخاص وقال لها هذا كل ما أملك ولا تطلبي مني أن آخذ من مال المسلمين شيئا أصرفه عليك فأقف بين يدي الله خائنا
 كان لا يأكل ولا يلبس إلا من عمل يده فكان يخيط الكوافي ويعمل السكاكر ويبيعها سرا ليفطر على ثمنها هذا هو الفرق بين قادة صنعوا المجد وقادة اليوم الذين تملأ أرصدتهم بنوك الغرب بينما القدس تنزف
 إن زهد نور الدين هو الذي جعل كلمته مسموعة وجعل جنده يقاتلون خلفه بقلوب لا تخاف الموت

​من هو الكلب محمود حتى ينصر
في ظل حصار الصليبيين لدمياط اشتد الكرب على المسلمين فظهرت عظمة هذا القائد في افتقاره لخالقه سجد نور الدين على التراب ولطخ رأسه بالبسطاء وبكى استنصارا بالله قائلا اللهم إنك إن نصرت فدينك نصرت فلا تمنعهم النصر بسبب محمود إن كان غير مستحق للنصر اللهم انصر دينك ولا تنصر محمودا من هو الكلب محمود حتى ينصر
 هذه الكلمات زلزلت أبواب السماء فلما جاءه من يبشره برؤيا النصر واستحى أن يذكر لفظ الكلب أصر نور الدين على سماعها كاملة وبكى فرحا بتأكد النصر
 وعرف نور الدين بلقب الشهيد على الرغم من أنه مات في فراشه وهذا لأنه كان قبل كل معركة يؤم المقاتلين ويدعو الله بصوت عال أن ينال الشهادة فاستحق اللقب بنية المجاهد الصادق
 إن هذه الروح هي التي هزمت جيوش إنجلترا وفرنسا وألمانيا في الحملة الصليبية الثانية وهي الرد على كل من يظن أن السلاح وحده يصنع النصر

​ملحمة حماية جسد النبي وإنقاذ القبر الشريف
من أعظم محطات حياته ما حدث في عام ٥٥٧ هجري حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه ثلاث مرات وهو يشير إلى رجلين أشقرين ويقول أنجدني أنقذني من هذين أنطلق نور الدين من الشام إلى المدينة المنورة في ستة عشر يوما فقط ودخلها مهيبا وأمر بإغلاق أبواب المدينة وطلب حضور كافة السكان ليعطيهم الصدقات وكان يتأمل الوجوه وجها لوجه حتى لم يبق أحد إلا رجلين من بلاد الأندلس ادعيا الزهد والعبادة وحين ذهب لمنزلهما ورفع الحصير وجد نفقا محفورا يمتد نحو الحجرة النبوية الشريفة فاعترفا أنهما نصرانيان أرسلهما ملوك أوروبا لسرقة الجسد الشريف فأمر بضرب رقابهما
 وحفر خندقا عظيما حول الحجرة النبوية بالكامل وملأه بالرصاص المذاب ليكون سورا يحمي جسد المصطفى تحت الأرض إلى يوم الدين

​زلزال معركة حارم ودك غطرسة التحالف
في عام ٥٥٩ هجري سطر نور الدين واحدة من أعظم المعارك الاستراتيجية في معركة حارم حيث واجه تحالفا صليبيا ضخما ضم جيوش أنطاكيا وطرابلس وقوات بيزنطية وأرمنية وبفطنة القائد تظاهر نور الدين بالانسحاب ليستدرجهم من مواقعهم الحصينة إلى السهل المكشوف وهناك انقض عليهم بجيشه المؤمن  والمجاهد في هجوم كاسح انتهى بإبادة جيشهم وأسر كبار قادة أوروبا وعلى رأسهم بوهمند الثالث وجوسلين الثالث وريموند الثالث لتتحول المعركة إلى زلزال دمر هيبة الصليب في المشرق وفتح الباب لاستعادة خمسين مدينة وحصنا إسلاميا 
كما أظهر دهاءه العسكري حين وقع زلزال عظيم عام ٥٥٢ هجري فاستغل انشغال الفرنجة وسيطر على قلاعهم قبل أن يرمموها مثل قلعة شيزر وقلاع أخرى في اقتناص تاريخي للفرص

​صناعة النصر قبل وقوعه قصة المنبر
أعظم دروس نور الدين زنكي هو درس اليقين فبينما كان الصليبيون يحتلون المسجد الأقصى ويدنسون ساحاته أمر نور الدين بصنع منبر عظيم في حلب ليكون للمسجد الأقصى ظل المنبر سنوات طويلة يسأله الناس لماذا تصنع المنبر والقدس بيد الأعداء فيرد بيقين المؤمن لقد صنعنا المنبر وبقي علينا أن نصنع الجيل الذي يحمله ويضعه في مكانه وبالفعل بعد استشهاده عام ٥٦٩ هجري جاء تلميذه صلاح الدين وحمل المنبر ووضعه في مكانه بعد معركة حطين توحيد الجبهة الداخلية تطهير الصفوف قبل الزحف فهم نور الدين أن القدس لن تتحرر ما دام في جسد الأمة خناجر مسمومة فبدأ بتوحيد الشام وحلب ودمشق ثم اتجه لمصر ليحررها من الحكم العبيدي المترهل أرسل أسد الدين شيركوه وصلاح الدين الأيوبي ليعيدوا مصر لحضن الخلافة العباسية وأنهى الدولة العبيدية عام ٥٦٦ هجري لتوحيد الأمة تحت ظل راية واحدة ولولا هذا التحالف الاستراتيجي بين القاهرة ودمشق لما قامت للمسلمين قائمة
 إن رسالة نور الدين لكل من يراهن على التحالف مع الصهاينة اليوم هي أن النصر لا يأتي من تحت أقدام الأعداء بل يأتي بتطهير الصفوف من الخونة أولا

​البناء الحضاري واستنهاض الأمة
لم يكتف نور الدين بالسيف بل بنى عقل الأمة فأنشأ المدارس النورية والمدرسة الشافعية والعصرونية في حلب وبنى الجامع النوري في الموصل وفي دمشق بنى دارا للأيتام ودارا للحديث والمدرسة النورية والبيمارستان لعلاج المرضى وطهر القضاء وبنى جيل حطين

  رسالتي من هذه الحكاية 
 هي استنفار للهمم ليعلم أبناؤنا أنهم أحفاد من صنعوا المستحيل باليقين والعمل إن الأمة التي تنجب مثل نور الدين قادرة على إنجاب من يطهر الأقصى اليوم ويقف في وجه غطرسة معتدية ويحطم التحالف الصهيوني توفي نور الدين في دمشق عام ٥٦٩ هجري إثر ذبحة صدرية ودفن في المدرسة النورية بدمشق تاركا إرثا لا يموت وقاعدة صلبة انطلق منها صلاح الدين ليحرر القدس 

رمضان مبارك عليكم وانتظرونا غدا في مسك الختام مع الناصر صلاح الدين الأيوبي في حكايات الشويخ